فصل بيوت بلا أبواب….قلم : عبد الجليل ابو الزهور
قلم : عبد الجليل ابو الزهور
بعد أن طرد الحسين والديه، بدأت حياة جديدة لكنها لم تكن أقل قسوة.
استأجرت سلوى وليلى منزلاً متواضعًا بالكاد يتسع لأجسادهما المتعبة وأحلامهما المؤجلة.
كان بيتًا بلا رفاه، لكنه منحهن شيئًا نادرًا: غطاءً هشًا، ومسافة قصيرة بين الانهيار الكامل والبقاء.
تقاسمتا مصاريف الكراء والمعيشة اليومية، وكان ذلك الاتفاق الصامت آخر حائط صدّ يحميهن من الانزلاق نحو الدعارة.
سلوى، على وجه الخصوص، كانت تكافح على جبهتين: جبهة الخارج، حيث تنهكها الحاجة، وجبهة الداخل، حيث تحاول إخفاء ما تمارسه عن ابنها.
كانت تُتقن الكذب النظيف: توفر له كل ما يحتاجه، تلبسه كما يلبس أبناء الآخرين، وتحرص على تعليمه، كأن المدرسة يمكن أن تكون تعويذة ضد العار، وكأن الدفاتر قادرة على محو ما تكتبه الليالي.
لكن المشهد لم يكن خاليًا من الألم.
لقد وضعت ابنتها ابتها من حمل غير شرعي، كأن الطفلة كانت شهادة على هشاشة الستر وضيق الخيارات.
شقيقها الأكبر، الحسين، لم يهدأ له بال؛ كان سبّه دائمًا، فجًّا، لا يستثني أحدًا.
يسبّ سلوى علنًا، ويمدّ شتائمه إلى والدتهما حادة، ولا يتردد في سبّ والدهما خالي علي، الرجل الذي كان، في زمن آخر، يتقدم الجيوش الألمانية في حروبها ضد قوى التحالف، وكأن ماضي البطولة حين يسقط في فم الغضب، لا يعود سوى مادة للسخرية والازدراء.
كان البيت، مع كل شتيمة، يتحوّل إلى ساحة إعدام معنوي، وسلوى، بين طفلها الرضيع ولسان أخيها، كانت تتآكل بصمت، تحمل عبئًا بلا اسم، وتقاوم فقط لأنها لم تعد تملك رفاهية الانهيار. ومع ذلك، ظلّ هاجسها الوحيد أن تُبقي ابنتها خارج هذا المستنقع، أن تُخفي عنها ما أمكن من تفاصيل الانكسار، وأن توهم نفسها، ولو مؤقتًا، بأن الأمومة قد تكون آخر خطوط الدفاع.
أما الأخ الشقيق، سفيان، فقد نشأ في هذا الوسط الموبوء.
فتح عينيه على فراغ وحرمان وانحراف، وبدأ يشعر بالخجل أمام أقرانه وزملائه في الدراسة.
انقطع عن المدرسة، حاول أن يتعلم مهنة، لكن شبح البيت كان يلاحقه دومًا.
بدأ التدخين أولًا، ثم شرب الخمر، وكان يحصل عليها مما يتركه الحسين حين يصل إلى قمة السكر، تاركًا بجانبه بعض القنينات وبقايا السجائر، كأنها ميراث غير معلن.
مع الوقت، صار يرافق منحرفين من أقرانه، بعضهم من الحي نفسه، وبعضهم من أحياء أخرى، وبدأوا يعترضون سبيل المتوجهين فجرًا إلى السوق الأسبوعي، رجالًا ونساء، تجار بهائم وعمال، حتى وقع حادث قاتل حين ضرب أحدهم مسؤولًا على رأسه، وفارق الحياة.
وهكذا دخل سفيان مرحلة أولى من مسلسل الاعتقالات؛ وسلسلة السجون والحرّيات المؤقتة أعادت نفسه دومًا إلى دائرة الجريمة، حتى لو جمعت مدد سجنه لما يقارب الأربعين سنة، وكان يُفرج عنه صباحًا، فيعود بعد ساعات ليعيد نفس الفعل.
أما ليلى، فقد خاضت معركتها بصمت لا يقل شراسة.
حاولت بكل ما أوتيت من قوة أن تُبعد ابنتها عن المسار نفسه الذي جرف سلوى.
ألبستها أحسن الألبسة، وأطعمتها أجود الأطعمة، وسهرت على تعليمها، كأن العناية المفرطة قادرة على سدّ الفجوات التي خلّفها الأصل والقدر معًا.
غير أن المحاولات لم تكن كافية دائمًا، ولم تنجح ليلى في إنقاذ ابنتها كما كانت تحلم، ولم تتنفس الصعداء إلا حين زوّجتها لابن الرجل الذي كان محمد، الجندي السابق، سيحاول لاحقًا قتله في مكتبه.
كان الزواج بمثابة درع مؤقت، محاولة لإبعاد الابنة عن المصير، لكنه لم يكن نهاية الخطر؛ فالدم حين يُستدعى يعرف طريقه دائمًا، والمآسي في هذه العائلة لم تقع فرادى، بل كانت تتناسل ضمن سلسلة النياشين… بلا سلاح.