من “ارجمونا بالحجارة” إلى إعلان الانسحاب… هل يهرب رشيد الطالبي العلمي من امتحان الحصيلة أم يتصدع حزب أخنوش من الداخل؟
أزيلال 24 : عبد الجليل ابو الزهور
في مؤتمر دكالة، أعلن رشيد الطالبي العلمي، القيادي البارز في حزب التجمع الوطني للبكائين للأحرار ورئيس مجلس النواب، انسحابه من العمل السياسي. إعلانٌ جاء في لحظة سياسية حساسة، والولاية الحكومية التي يقودها حزب عزيز أخنوش تلفظ أنفاسها الأخيرة تحت ضغط حصيلة اجتماعية مثقلة بالأسئلة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة:
هل نحن أمام موقف مبدئي نابع من تقييم نقدي شجاع؟
أم أمام انسحاب يحاول أن يسبق لحظة المساءلة الشعبية؟
ذاكرة لا تنسى: “ارجمونا بالحجارة”
في خضم الحملة الانتخابية، لم يكن رشيد الطالبي العلمي مجرد داعم عابر لبرنامج حزبه، بل كان من أشد المدافعين عن وعوده الاجتماعية، وعلى رأسها الزيادة بـ2500 درهم في أجور عدد واسع من الموظفين و1000 درهم لفائدة المتقاعدين. وقد بلغ به الحماس حد إطلاق تصريح ظل محفوراً في الذاكرة السياسية: إذا لم تتحقق الوعود، “ارجمونا بالحجارة”.
اليوم، ومع اقتراب نهاية الولاية، لا أحد يدعو إلى حجارة ولا إلى عنف. لكن الذاكرة السياسية تستحضر الكلمات بوصفها التزاماً أخلاقياً. فالسياسة ليست مهرجاناً خطابياً، والكلمات حين تُقال أمام الشعب تتحول إلى دين في ذمة من أطلقها.
فأين هي الزيادة الموعودة بالشكل الذي رُوِّج له؟
أين الأثر الحقيقي على القدرة الشرائية التي تآكلت تحت ضربات الغلاء؟
وأين هو التقييم الصريح للفجوة بين الوعد والتنفيذ؟
حزب “الكفاءة” أم حزب الوعود المؤجلة؟
حزب التجمع الوطني للأحرار، بقيادة عزيز أخنوش، قدّم نفسه كحزب الكفاءة والتدبير المقاولاتي، ووعد بـ”الدولة الاجتماعية”. غير أن الحصيلة كما يراها قطاع واسع من المواطنين تكشف واقعاً أكثر تعقيداً: ارتفاع في الأسعار، ضغط ضريبي غير متوازن، وتدابير اجتماعية لم تبلغ سقف التوقعات التي صنعت الانتصار الانتخابي.
الأخطر من ذلك، صدور تصريحات وُصفت بالاستعلائية، تحدثت عن “إعادة تربية” المغاربة أو انتقصت من وعي المنتقدين. في منطق اليسار الديمقراطي الذي تتبناه دمنات الرسالة، الشعب لا يحتاج إلى إعادة تربية، بل إلى سياسات عادلة وتوزيع منصف للثروة، وإلى احترام ذكائه السياسي.
انسحاب أم إعادة تموقع؟
إعلان الانسحاب في هذا التوقيت يطرح أكثر مما يجيب.
هل هو تحمّل للمسؤولية؟
أم محاولة لتخفيف الكلفة السياسية قبل استحقاقات قادمة؟
أم مؤشر على تصدع داخلي داخل حزب يقود الحكومة بأغلبية مريحة عددياً لكنها مهزوزة شعبياً؟
الانسحاب لا يمحو الحصيلة، كما أن تغيير الموقع لا يلغي المسؤولية.
الفصل الأول من الدستور واضح: ربط المسؤولية بالمحاسبة. والمحاسبة في الأنظمة الديمقراطية لا تُمارس بالحجارة، بل بالصناديق.
أزمة ثقة تتجاوز الأشخاص
القضية لم تعد مرتبطة برشيد الطالبي العلمي كشخص، ولا بعزيز أخنوش كرئيس حكومة فقط، بل بأزمة ثقة في خطاب سياسي رفع سقف الوعود إلى حد التحدي، ثم وجد نفسه أمام واقع اجتماعي لم يستجب لذلك السقف.
حين تتحول التصريحات النارية إلى عبء، وحين يصبح الوعد مادة يومية للتذكير، يبدأ التآكل من الداخل.
وقد يكون إعلان الانسحاب أول مؤشر على اهتزاز صورة حزب دخل الولاية بشعار الكفاءة، ويغادرها مثقلاً بأسئلة اجتماعية حارقة.
التاريخ السياسي لا يُكتب بالبلاغات،
ولا يُمحى بإعلان انسحاب في مؤتمر حزبي.
ذاكرة الشعوب أطول من الولاية،
وصناديق الاقتراع أصدق من المنابر.