زهرة اللوز التي عانقت البحر..قلم : سعاد الحمامي
قلم : سعاد الحمامي
زهرة اللوز التي عانقت البحر .. في حضن الجبل .. وُلدت .. حيثُ يتنفّس الصباحُ برائحة الزعتر البري، وحيثُ تتعلّم الطفولة أن تمشي حافية فوق الحجارة قبل أن تمشي فوق الأحلام. كانت الشمس، كلّ فجر، تضع يدها الذهبية على كتفيها الصغيرتين، وهي تحمل حزمة حطب تكاد تكون أطول من ظلّها. لم تكن تشكو… كانت تمشي، كأن في قدميها سرّاً علّمها الجبل أن الصعود قدرٌ جميل.
في السابعة، حفظت طريق العين كما يُحفظ اسم الأم. كانت تمضي إليه والدلو يتأرجح بين أصابعها النحيلة، فتعود والماء يلمع، وكأنها تحمل قطعةً من السماء إلى بيتٍ متواضع على السفح. لم تكن تشبه بقية الأطفال. كانت إذا ازهرّ اللوز، تقف أمامه طويلاً، تتأمل بياضه المتحدي للصقيع، وتهمس في سرّها، بصوتٍ لا يسمعه سوى قلبها: “سأزهر مثلك… حتى لو جاء الشتاء بكلّ برده.” كان ذلك أول عهْد بينها وبين الحياة.
في العاشرة، حملها والدها إلى المدينة. وهناك… انفتح أمامها البحر. امتدّ كمرآةٍ زرقاء بلا نهاية، فشعرت أن صدرها الصغير لم يعد يتّسع لدهشتها. اتسعت عيناها، وسألته ببراءةٍ ترتجف: — هل هذا كلّه ماء؟ ابتسم وقال، وصوته يلمع مثل الأفق: — هذا أفقكِ صغيرة الجبل… إن درستِ جيداً، سيصير لكِ جناحان. منذ تلك اللحظة، لم تعد ترى البحر ماءً فقط، بل احتمالاً… باباً مفتوحاً على ما وراء الجبل. لكن الحياة، كعادتها، لا تمنح الأفق دون أن تختبر القلب.
الليلة التي انطفأت فيها الطفولة رحلت الأم. لم يكن الرحيل صاخباً، بل كان صمتاً ثقيلاً انسكب في أركان البيت، كأن الليل أطال إقامته فجأة. في تلك الليلة، لم تبكِ كطفلةٍ ضاعت منها دميتها، بل بكت كأمّ صغيرة فقدت دفأها الأول. بكت حتى شعرت أن الدموع لم تعد تكفي. وفي الصباح… لم تستيقظ الطفلة. استيقظت امرأةٌ في جسدٍ نحيل.
صارت تُعدّ الطعام كما لو كانت تحرس البيت من الانهيار، تراجع الدروس لإخوتها كأنها تزرع فيهم نوراً، وتدفن وجعها في وسادةٍ تعرف أسرار الليل. كان والدها يعود صيفاً من الغربة، يحمل تعب السنوات في عينيه، فتمنحه نتائج مشرّفة كأنها تقول له: “لا تقلق… ما زال البيت واقفاً.” لم يكن النجاح حلماً لها، كان درعاً، وكان صلاةً صامتة لأمٍ غابت ولم تغب.
الحلم الذي كتبته بعرقها.. مرّت السنوات ثقيلة كشتاءٍ طويل، لكنها كانت تمشي أخفّ منها، كأن في روحها ربيعاً لا يراه أحد. دخلت الجامعة، وشعرت أنها تعبر جسراً من الحطب والماء والدموع، نحو ضفةٍ طالما رسمتها في خيالها. ثم جاء اليوم. وقعت باسمها في الصفحة الأولى لجريدة وطنية. الحروف سوداء… لكنها أضاءت قلبها.
توقفت لحظة، كأن الزمن انحنى احتراماً لتعبها. مدّت أصابعها، لمست الاسم، وهمست بصوتٍ مكسورٍ من الفرح: “أمي… لقد نجحت.” لم تكن تخاطب الغياب، بل كانت تعيد الحياة إلى صدرها. في تلك اللحظة، أزهرت زهرة اللوز التي وعدت نفسها بالربيع.
امرأة من ضوء… وطفلة من حنين.. كبرت ، وصارت امرأة تحمل الكلمة كما يُحمل المصباح في العتمة. تنقل صوت الناس، وتفتح للنور شقوقاً في الجدران الصمّاء. لكن في داخلها، ما زالت تلك الطفلة التي تعرف طريق العين، وتؤمن أن الجبل لا يقسو… بل يُعدّ أبناءه لعلوٍّ يليق بهم. تعلمت أن الشتاء لا يقتل الزهر، بل يختبر صدقه.
إلى فتيات الجبال..إلى صبايا القرى.. إلى كل فتاة تمشي فوق الحصى وفي قلبها سماء… إلى من تحمل الماء بدل الدمية، وتصعد الطريق الوعر كأنها تصعد نحو قدرها: لا تظنّي أن تعبكِ يُنسى. كل خطوةٍ تؤلم قدميكِ اليوم، تصنع لكِ جناحين غداً. الجبل لا يُطفئكِ… الجبل يشعل فيكِ نار الصبر. كوني زهرة لوز، تزهر في أقسى البرد، وتُعلّم الدنيا أن الجمال الحقيقي يولد من قلبٍ لم يستسلم. ولو طال الشتاء… فالربيع يعرف اسمكِ..