أزمة التقاعد في المغرب: بين الأرقام والقرارات المؤجلة من وعي الوطن..أزمة التقاعد في المغرب: بين الأرقام والقرارات المؤجلة من وعي الوطنأزمة التقاعد في المغرب: بين الأرقام والقرارات المؤجلة من وعي الوطن

90

بقلم: رجاء التوبي:

 

 

التقاعد  في المغرب ليس مجرد حسابات مالية، بل هو تعبير عن التزام الدولة تجاه من قضوا حياتهم في خدمة المرفق العام. ومع ذلك، تعاني بعض أنظمة التقاعد من اختلالات مالية وديموغرافية جعلت الحديث عن أزمة أمرًا ملحوظًا، خصوصًا في ظل تزايد عدد المستفيدين وارتفاع متوسط العمر. هذه الأزمة ليست وليدة اليوم، بل هي نتيجة تراكمات سنوات طويلة من القرارات والسياسات التي لم تُصمم دائمًا على أسس تضمن استمرارية واستقرار الصناديق.
تشير التقارير إلى وجود اختلالات مالية في بعض أنظمة التقاعد، وعلى رأسها الصندوق المغربي للتقاعد، نتيجة عدة عوامل، منها ارتفاع عدد المتقاعدين مقارنة بعدد المساهمين، وارتفاع متوسط العمر، إضافة إلى بطء وتيرة التوظيف في القطاع العمومي خلال فترات طويلة.
غير أن قراءة هذه الأزمة من زاوية الأرقام وحدها قد تُخفي جزءًا مهمًا من الحقيقة، وهو سياق القرارات التي ساهمت في تكوين هذا الوضع.
ومن بين القرارات التي لا يمكن إغفالها في هذا السياق، برنامج المغادرة الطوعية الذي اعتمدته حكومة إدريس جطو سنة 2005. فقد غادر عشرات الآلاف من الموظفين الوظيفة العمومية في فترة قصيرة، في إطار سياسة هدفت أساسًا إلى تقليص كتلة الأجور وإعادة هيكلة الإدارة. ورغم أن القرار كان يحمل منطقًا ماليًا في حينه، فإن أثره على المدى البعيد لم يكن بسيطًا، إذ تقلص عدد المساهمين في نظام التقاعد بشكل ملحوظ دون أن يقابله توظيف كافٍ يعيد التوازن بين المنخرطين والمتقاعدين.
ومن المفارقات التي رافقت سياسة المغادرة الطوعية، أن بعض الإدارات وجدت نفسها بعد سنوات أمام نقص في الخبرات التي غادرت دفعة واحدة. فقد خرجت كفاءات راكمت تجربة طويلة داخل المرافق العمومية، ولم يكن تعويضها سهلًا في وقت قصير. لذلك لجأت بعض المؤسسات إلى الاستعانة ببعض المتقاعدين أو المغادرين بعقود عمل أو مهام استشارية لسد هذا الفراغ.

واذا  كان برنامج المغادرة الطوعية قد ساهم في تقليص عدد الموظفين بشكل سريع، فإن آثار ذلك القرار ظهرت بشكل أوضح بعد سنوات عندما بدأت الدولة في إصلاح نظام الصندوق المغربي للتقاعد سنة 2016. فقد جاء ذلك الإصلاح في سياق البحث عن إعادة التوازن للصناديق، عبر إجراءات مثل رفع سن التقاعد وزيادة نسب المساهمة. غير أن كثيرين تساءلوا آنذاك عمّا إذا كانت بعض الاختلالات التي يُطلب اليوم من الموظف المساهمة في معالجتها تعود في جزء منها إلى سياسات سابقة، اتخذت في سياق اقتصادي مختلف، لكنها تركت أثرها على توازن النظام لسنوات لاحقة.
التقاعد ليس مجرد معادلة مالية، بل هو تعبير عن مدى وفاء الدولة بالتزاماتها تجاه من أفنى عمره في خدمة الوطن.
عندما تُتخذ قرارات اقتصادية مؤقتة – كالمغادرة الطوعية – دون رؤية بعيدة المدى، تتحول آثارها بعد سنوات إلى أزمات حقيقية.
الأزمة ليست دائمًا نتيجة فشل الحاضر، بل أحيانًا هي حصيلة تراكم اختيارات الماضي التي لم تُحسب بميزان الإنصاف.
إن أزمة التقاعد، إن صح وصفها بالأزمة، ليست نتيجة عامل واحد، بل هي حصيلة تراكمات وقرارات امتدت لسنوات طويلة. لذلك فإن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تتم فقط عبر إجراءات تمس الموظف الحالي، بل تحتاج إلى رؤية شاملة تعيد النظر في بنية الأنظمة نفسها، وتضمن عدالة أكبر في توزيع كلفة الإصلاح.
في النهاية، قد تكون أزمة التقاعد في المغرب حقيقية من حيث الأرقام، لكنها أيضًا نتاج مسار طويل من القرارات المتراكمة التي لم تُحسب دائمًا بميزان المستقبل. فحين تُتخذ سياسات كبرى دون رؤية بعيدة المدى، فإن آثارها تظهر بعد سنوات في شكل أزمات تُطرح اليوم كأنها قدر محتوم.
التقاعد ليس مجرد معادلة مالية، بل هو عقد ثقة بين الدولة والمواطن. ولذلك يبقى السؤال مطروحًا: هل سيبقى الإصلاح دائمًا على حساب الموظف، أم أن اللحظة قد حانت لإصلاح متوازن يعيد الثقة والإنصاف معًا؟
من وعي الوطن
عاشقة للوطن

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.