من الأغلبية إلى الإجماع.. تشديدات صارمة وغير مسبوقة تقيد الحكم بالإعدام في المغرب

177

أزيلال 24: متابعة 

 

 

 

في خطوة تعد الأبرز في مسيرة الإصلاح القضائي المغربي، أصدر المجلس الأعلى للسلطة القضائية توجيهات ملزِمة للقضاة تقيد صلاحية الحكم بالإعدام بشروط مشددة لم تكن مطبقة من قبل، وذلك في إطار تفعيل مقتضيات القانون رقم 03.23 المنظّم للمسطرة الجنائية.أخبار المغرب

قبل ذلك، كان بإمكان هيئة الحكم إصدار حكم الإعدام بمجرد توفر الأغلبية، غير أن المشهد تغير كليا، إذ باتت المادة 430 من القانون الجديد تشترط إجماع جميع القضاة دون استثناء، مع التنصيص صراحة على هذا الإجماع في منطوق الحكم الصادر. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يُلزَم رئيس الجلسة بتحرير محضر رسمي للمداولة يُثبّت حصول الإجماع موقَّعاً من جميع أعضاء الهيئة، على أن يُودَع ضمن وثائق الملف، وهو ما يُقطع الطريق أمام أي غموض مستقبلي حول كيفية الوصول إلى الحكم.

وتكشف هذه الضمانات الإجرائية عن قناعة راسخة لدى المشرع بأن الأخطاء القضائية في مثل هذه القضايا لا سبيل إلى تداركها، وأن الشك يجب أن يترجم إلى نجاة لا إلى إدانة.

وهو مبدأ لا تنفرد به الصياغة القانونية الحديثة، بل يضرب جذوره عميقا في الموروث الفقهي الإسلامي، إذ أكد العلماء أن الشريعة حصرت عقوبة الإعدام في جرائم الحدود والقصاص، وأحاطت تطبيقها بسياج من الضمانات والشروط الصارمة، وعلى رأسها التوجيه النبوي الصريح “ادرؤوا الحدود بالشبهات”.

ولم تأتِ هذه التحولات من فراغ، فالمذكرة التفسيرية الصادرة عن المديرية العامة للشؤون القضائية ترسم صراحةً الإطار المرجعي لهذه الإصلاحات، مستندةً إلى الفصل 20 من دستور 2011 الذي يُكرّس الحق في الحياة حقاً دستورياً راسخاً، وإلى المادة السادسة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تُضيّق نطاق اللجوء إلى عقوبة الإعدام في الدول التي لم تلغها بعد، فضلاً عن توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة الداعية إلى المصادقة على البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي، والذي يدعو الدول صراحةً إلى إلغاء هذه العقوبة.

وتلمح المذكرة ذاتها إلى النقاش الوطني المتصاعد بين من يطالبون بإلغاء عقوبة الإعدام كلياً، ومن يدعون إلى ترسيم الوقف الفعلي لتنفيذها الذي تعيشه المملكة منذ سنوات. وفي الحالتين، تبدو هذه الإصلاحات خطوةً نحو مزيد من التحفّظ في إصدار هذا النوع من الأحكام، حتى وإن ظلّت العقوبة قائمةً من الناحية القانونية. ويُشكّل هذا التحوّل منعطفاً في علاقة المنظومة القضائية المغربية بالعقوبة القصوى، إذ يُرسّخ مبدأ أن ثمن الخطأ القضائي حين يكون روحاً بشرية هو ثمنٌ لا يُحتمَل.