فرحة العودة للوطن.. قلم: عبدالقادر كلول

770
  • قلم : عبدالقادر كلول

 

 

ونحن على أهبة السفر إلى البلاد، نشعر أحيانا أننا لن نعود من هناك، نحمل معنا كل ما نستطيع حمله؛ ملابس تناسب الطقس الموسمي، هدايا للأهل، كتبنا المفضلة، أدوات النظافة الشخصية.. وكل شيء نخمن أننا سنحتاجه هناك.. نحرص دائما أن نرحل بأقصى ما يمكن من الحاجيات، حتى لا نكون عبئا على الآخرين.
بلد العمل لا يعني لنا شيئا في هذه اللحظات، نسعى أن نغادر بأقصى سرعة، الوقت له أهميته وثمنه الغالي، حتى أننا غالبا لا نلتفت خلفنا لنودع أحدا، فلا أحد يستحق أن نبكي عليه، بعد سنين طويلة من الاغتراب والوحدة.. فقط نصوب بوصلتنا بدقة نحو البلاد، يسبقنا خيالنا إلى هناك، ونمتطي رغبتنا الجامحة للوصول.
تصير المسافات في أعيننا قصيرة مهما طالت، وتبدو ساعات السفر أقل قسوة من ساعات الغربة نفسها.. نتحمل ازدحام المحطات، وتأخر الرحلات، وتعب الطريق، بقلوب خفيفة كأنها خرجت أخيرا من سجن طويل.
كل شيء فينا يكون مستنفرا للفرح؛ حتى الحقائب الممتلئة تبدو أخف وزنا، وحتى وجوه المسافرين الغرباء نشعر أنها تشبهنا، كأن الغربة جمعت بيننا في ملامح الحنين ذاته.
وفي الطريق إلى البلاد، نستعيد تفاصيل صغيرة كنا نظن أننا نسيناها؛ رائحة الخبز الساخن في الصباح، صوت الأذان القريب من البيت، ضجيج الأحياء الشعبية، جلسات العائلة التي تمتد بلا مواعيد، والأصدقاء الذين فرقتنا عنهم الطرق دون أن ينتزعوا من القلب.
نتذكر الأزقة كما لو أننا غادرناها البارحة، بينما الحقيقة أن أعمارا كاملة مرت فوق أرواحنا ونحن بعيدون.
وحين تقترب لحظة الوصول، يخفق القلب بطريقة لا يفهمها إلا من عاش الغربة.. يصبح الوطن فجأة أكثر من مجرد مكان؛ يصير حضنا واسعا، وطمأنينة مؤجلة، وقطعة من الروح ظلت ناقصة طوال شهور أو سنوات.
نراقب من نافذة الحافلة أولى الملامح، فنشعر أن التعب كله كان يستحق، وأن الإنسان مهما حاول التأقلم بعيدا، يبقى داخله شيء صغير لا يهدأ إلا حين يعود إلى أرضه.
الغريب أننا، رغم فرحتنا العارمة بالعودة، نحمل في أعماقنا خوفا خفيا من الرحيل القادم.. كأن الغربة علمتنا ألا نثق كثيرا في اللحظات الجميلة، لذلك نحاول أن نعيش كل تفصيل بشراهة العائد من الموت؛ نطيل النظر في وجوه أهلنا، ونبالغ في احتضانهم، ونؤجل النوم لنسرق أكبر قدر ممكن من دفء البلاد.
فالذي عاش طويلا بعيدا، لا يعود إلى وطنه مسافرا فقط.. بل يعود إليه كإنسان أنهكته الحياة، وجاء أخيرا ليطمئن قلبه قليلا.

التعليقات مغلقة.