لقجع… عندما تبحث الدولة عن «رجل المرحلة» في المدرجات من هندسة الميزانية إلى هندسة الزعامة: هل انتهى زمن السياسي وبدأ زمن التكنوقراط المُسوَّق بالإنجاز الرياضي؟

166

قلم :  ذ. عبد اللطيف رقيق

 

ليست لدي أوهام حول طبيعة السياسة المغربية.
لقد عشت منها ما يكفي لأعرف أن الوجوه تتغير، والأحزاب تتبدل، والشعارات تتجدد، لكن هناك دائما خيطا ناظما يمتد تحت سطح الأحداث: الدولة تبحث باستمرار عن الصيغة التي تضمن استقرار النظام واستمراره، فيما تبحث الأحزاب عن موقع لها داخل هذه الصيغة.
ولذلك لا أتعامل مع صعود فوزي لقجع إلى الواجهة السياسية باعتباره مجرد انتقال عادي لمسؤول من الإدارة إلى الحزب.
ففي السياسة لا توجد مصادفات بريئة دائما.
خصوصا عندما يأتي الانتقال في توقيت انتخابي بالغ الحساسية، وبعد سنوات من تراكم رأسمال رمزي صنعته كرة القدم، وبعد تجربة طويلة في قلب الإدارة المالية للدولة.
فوزي لقجع ليس سياسيا ولد من رحم حزب.
هو تكنوقراطي جاء من الإدارة المالية.
اشتغل في وزارة المالية، وتدرج في مناصبها، إلى أن أصبح مديرا للميزانية، ثم انتقل سنة 2021 إلى الحكومة وزيرا منتدبا مكلفا بالميزانية. وفي الوقت نفسه كان منذ 2014 رئيسا للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وهي المؤسسة التي أصبحت تحت قيادته إحدى أكثر المؤسسات الرياضية حضورا وتأثيرا في المشهد الوطني.
وهنا بالضبط تبدأ الحكاية التي تستحق أن تُقرأ سياسيا.
الرجل الذي جمع بين مفاتيح الخزينة ومفاتيح المدرجات
لقجع يمتلك اليوم ما يمكن تسميته رأسمالا رمزيا مركبا.
فمن جهة، هو رجل الأرقام والميزانية والمالية العمومية.
ومن جهة أخرى، هو الرجل الذي ارتبط اسمه بأقوى لحظات الفرح الجماعي التي عاشها المغاربة في السنوات الأخيرة.
والكرة في المغرب ليست مجرد رياضة.
إنها أحيانا مؤسسة عاطفية كبرى.
لقد استطاع المنتخب الوطني أن يصنع لحظة وطنية استثنائية، خصوصا بعد إنجاز مونديال قطر، وأصبح لقجع أحد أكثر الوجوه ارتباطا بهذا النجاح في الوعي الجماعي.
لكن هنا ينبغي أن نكون أكثر دقة:
هل المنتخب الوطني مشروع فوزي لقجع الشخصي؟
بالطبع لا.
فالنجاح الكروي نتاج منظومة كاملة: توجيه استراتيجي، استثمارات، بنية تحتية، أكاديميات، أندية، لاعبين، أطر تقنية، جمهور، ومؤسسات.
ومع ذلك، جرى تدريجيا تكثيف الصورة حول شخص الرجل.
وهنا تصبح كرة القدم، من حيث لا يشعر البعض، أداة لإنتاج صورة سياسية.
ليس بالضرورة عبر دعاية مباشرة.
يكفي أن يكون الرجل حاضرا في لحظة الانتصار، وفي المدرجات، وفي الصور، وفي وسائل الإعلام، ثم يعود في اليوم التالي إلى مكتبه ليوقع على قرارات الميزانية.
وهكذا تتشكل في الوعي الشعبي معادلة خطيرة:
الرجل الذي جلب لنا الفرح هو نفسه الرجل الذي يدبر المال.
ومن هنا إلى القول بأنه قادر على تدبير الدولة كلها خطوة صغيرة في عالم السياسة الشعبوية.
لكن الدولة ليست ملعبا
وهنا أختلف مع الذين يريدون تحويل لقجع إلى «منقذ تكنوقراطي».
ليس لأن الرجل لا يمتلك الكفاءة.
بل لأن الكفاءة شيء والقيادة السياسية شيء آخر.
إدارة الميزانية تحتاج إلى الأرقام.
إدارة كرة القدم تحتاج إلى التنظيم والتفاوض والتخطيط.
لكن إدارة مجتمع تحتاج إلى شيء آخر:
تحتاج إلى السياسة.
تحتاج إلى القدرة على قراءة التناقضات الاجتماعية.
تحتاج إلى التفاوض مع النقابات.
تحتاج إلى مخاطبة المعارضة.
تحتاج إلى مواجهة الغضب الشعبي.
تحتاج إلى تحمل النقد.
تحتاج إلى بناء التحالفات.
تحتاج إلى إقناع الناس، لا فقط إقناع المؤسسات المالية.
وتحتاج قبل كل ذلك إلى مشروع سياسي واجتماعي.
فالمغربي الذي لا يجد عملا لا يحتاج إلى جدول محاسبي.
والأم التي تنتظر موعدا في مستشفى عمومي لا يعنيها كثيرا حجم الاستثمارات المعلنة.
والشاب الذي يحمل شهادة جامعية ويبحث منذ سنوات عن وظيفة لا يستطيع أن يدفع فواتيره بمؤشرات النمو.
هذه هي السياسة التي لا تعلمها وزارة المالية.
من أين جاء لقجع إلى «البام»؟
المثير في الأمر أن لقجع لم يكتف بأن يكون تكنوقراطيا مستقلا.
ففي صيف 2026 أصبح التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة واقعا سياسيا، وأعلنت قيادة الحزب انضمامه إلى مكتبه السياسي، فيما ارتبطت العملية أيضا بالاستعداد للانتخابات التشريعية المقررة في شتنبر 2026. وكانت تقارير صحفية قد تحدثت قبل الإعلان الرسمي عن ترشيحه المحتمل بدائرة بركان.
وهنا يصبح السؤال مشروعا:
لماذا الآن؟
لماذا في هذه اللحظة بالذات؟
لماذا «البام»؟
ولماذا الانتقال من موقع التكنوقراطي إلى قلب جهاز حزبي، وفي هذه السرعة؟
لا أملك جوابا قطعيا، ولا أريد أن أبيع للقراء نظرية مؤامرة جاهزة.
لكن السياسة علمتنا أن نقرأ التوقيت كما نقرأ القرار نفسه.
والتوقيت هنا بالغ الدلالة.
نحن على أبواب انتخابات.
وحزب الأصالة والمعاصرة جزء من الأغلبية الحكومية.
والحكومة الحالية تواجه تراكما من الأسئلة الاجتماعية.
والحياة الحزبية تعاني أزمة ثقة غير مسبوقة.
وفي المقابل، يظهر رجل يمتلك شعبية صنعتها كرة القدم، وخبرة مالية، وحضورا إعلاميا، وعلاقات واسعة داخل الدولة والمؤسسات الرياضية.
هل يمكن أن يكون ذلك مجرد صدفة؟
ربما.
لكن من حق المواطن أن يسأل.
المشكلة ليست في لقجع… المشكلة في الأحزاب
إذا وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها الحزب بحاجة إلى تكنوقراطي مشهور كي يعزز صورته الانتخابية، فالمشكلة ليست في التكنوقراطي.
المشكلة في الحزب.
الأحزاب المغربية كانت في الماضي مدارس لإنتاج السياسيين.
كان السياسي يبدأ من القاعدة.
يناضل.
يناقش.
يخسر انتخابات.
يربح انتخابات.
يصطدم بالسلطة.
يدخل البرلمان.
يخرج منه.
يبني علاقات مع النقابات والجمعيات والجامعات.
ويتعلم كيف يتحدث إلى الناس.
أما اليوم، فقد أصبحنا أمام ظاهرة مختلفة:
الأحزاب تبحث عن الوجوه الجاهزة.
رجل الأعمال.
الفنان.
الرياضي.
التكنوقراطي.
المشاهير.
المهم أن يأتي الشخص ومعه رصيد انتخابي أو إعلامي جاهز.
وهكذا يتحول الحزب من مصنع للنخب إلى شركة لاستيرادها وتسويقها.
وهذه واحدة من أخطر علامات شيخوخة الديمقراطية الحزبية.
هل عجزت الأمهات السياسيات عن إنجاب الزعيم؟
سأطرح السؤال بصورة أكثر قسوة:
هل عجزت الأمهات السياسيات المغربيات عن إنجاب شخصية سياسية قادرة على قيادة البلاد؟
أين اختفت القيادات التي كانت تصنعها الجامعة والنقابة والحركة الوطنية واليسار والحركة الديمقراطية؟
أين ذهب السياسي الذي كان يستطيع أن يخطب ثلاث ساعات دون ورقة؟
أين المثقف الذي كان قادرا على مناقشة الاقتصاد والدستور والمجتمع والتاريخ في آن واحد؟
أين الزعيم الذي يستطيع أن يدخل إلى حي شعبي دون حراسة إعلامية ويجلس مع الناس ويستمع إلى مشاكلهم؟
لقد أفرغنا السياسة من السياسة.
وحولنا الأحزاب إلى آليات انتخابية.
ثم نتساءل بعد ذلك:
أين الزعماء؟
إن الزعيم لا يصنعه المكتب السياسي.
ولا تصنعه صورة في المدرجات.
ولا يصنعه نجاح رياضي.
الزعيم تصنعه المعارك الاجتماعية والسياسية.
من بنكيران إلى لقجع: هل تغيرت الأدوات وبقيت القاعدة؟
بعد 2011، خرج المغرب من لحظة احتجاجية غير مسبوقة.
حركة 20 فبراير رفعت مطالب سياسية واجتماعية عميقة.
وجاء دستور جديد وانتخابات مبكرة وصعد حزب العدالة والتنمية إلى رئاسة الحكومة.
كان ذلك، من منظور النظام، مخرجا ذكيا من أزمة كانت قابلة للتطور.
لقد جرى إدخال الاحتجاج إلى المؤسسات.
وأصبح جزء من الغضب الشعبي ممثلا داخل الحكومة نفسها.
لكن السنوات التالية كشفت أن تغيير الحزب الذي يقود الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير قواعد اللعبة الاقتصادية والاجتماعية.
ثم جاءت احتجاجات الريف.
ثم جرادة.
وفي كل مرة كان الشارع يقول شيئا واحدا:
المشكلة أعمق من تغيير الوزراء.
الريف لم يكن يطلب فقط وزيرا جديدا.
وجرادة لم تكن تطلب فقط واليا جديدا.
والشباب الذي خرج في 20 فبراير لم يكن يبحث عن تغيير ديكور سياسي.
كان يبحث عن الكرامة والعدالة والحرية والإنصاف.
وهذه المطالب لم تمت.
لقد تغيرت أشكال التعبير عنها فقط.
وزارة الداخلية… ذاكرة طويلة في هندسة المجال السياسي
ومن يريد أن يفهم صعود «البام» اليوم لا يستطيع أن يتجاهل تاريخ الحزب نفسه.
فحزب الأصالة والمعاصرة خرج من رحم «حركة لكل الديمقراطيين» سنة 2008، المرتبطة بفؤاد عالي الهمة، الذي كان قبل ذلك مسؤولا في وزارة الداخلية. وقد شكل ظهور الحزب في ذلك الوقت أحد أبرز التحولات في الخريطة السياسية المغربية، وقرأه كثير من المراقبين باعتباره محاولة لإعادة ترتيب موازين القوى ومواجهة صعود العدالة والتنمية.
هذا ليس سرا تاريخيا.
ولا يعني ذلك أن كل أعضاء «البام» موظفون سابقون في الدولة، أو أن الحزب لا يملك مناضليه وقواعده.
لكن التاريخ السياسي المغربي يفرض علينا سؤالا لا ينبغي الهروب منه:
إلى أي حد تترك الدولة العميقة بصمتها على الخريطة الحزبية؟
لقد عرف المغرب منذ عقود نماذج متعددة من الأحزاب التي ولدت أو تقوت في سياقات مرتبطة بحاجات الدولة إلى إعادة ضبط التوازنات.
مرة لمواجهة اليسار.
ومرة لمواجهة الإسلاميين.
ومرة لإعادة توزيع الأغلبية.
ومرة لإنتاج نخبة جديدة.
والنتيجة أن المواطن المغربي أصبح يرى الانتخابات أحيانا كأنها مباراة يتم تغيير لاعبيها، بينما تبقى قواعد اللعب نفسها.
اليوم… هل يتكرر السيناريو؟
هنا يجب أن ننتبه.
لا أقول إن وزارة الداخلية «تعد» لقجع لرئاسة الحكومة.
لا توجد، في المعطيات العلنية التي يمكن الاستناد إليها، وثيقة تثبت ذلك.
لكنني أقول شيئا أكثر أهمية:
إن انتقال رجل تكنوقراطي بهذه القوة الرمزية إلى حزب من أحزاب الأغلبية، في لحظة انتخابية، يفتح الباب أمام احتمال إعادة هندسة الخريطة السياسية.
وهذا الاحتمال يستحق النقاش.
خصوصا أن المغرب يدخل انتخابات 2026 في سياق اجتماعي شديد الحساسية.
الحكومة تتحدث عن الحفاظ على القدرة الشرائية وعن مواصلة الإصلاحات، بينما تنتقدها المعارضة وخصومها بسبب البطالة وغلاء المعيشة وتآكل القدرة الشرائية.
وهنا يصبح السؤال:
هل نحن أمام محاولة لتغيير السياسات؟
أم مجرد تغيير الوجه الذي سيقدمها للمغاربة؟
حكومة أخنوش… الإنجاز لا يلغي الأزمة
لنكن منصفين.
حكومة أخنوش لم تفعل «لا شيء».
هناك أوراش اجتماعية واستثمارات وإصلاحات ومشاريع كبرى.
لكن الحكم على الحكومات لا يكون بما تقوله عن نفسها.
بل بما يشعر به المواطن.
والمشكلة أن الفجوة بين الخطاب الرسمي والإحساس الشعبي أصبحت كبيرة.
الحكومة تقول إن القدرة الشرائية تحظى بالأولوية.
لكن المواطن يقول:
أنا أدفع أكثر.
الشاب يقول:
لا أجد عملا.
الأستاذ يقول:
راتبي لا يكفي.
المريض يقول:
أبحث عن موعد.
والأسرة تقول:
المدرسة الخصوصية أكلت نصف الدخل.
والقرية تقول:
أين نصيبنا من التنمية؟
هذه ليست «مشاعر» يمكن تجاهلها.
هذه هي السياسة.
ماذا لو كان لقجع هو رجل المرحلة؟
حسنا.
فلنفترض أن السيناريو صحيح.
ولنفترض أن لقجع أصبح رئيسا للحكومة المقبلة.
السؤال ليس: هل يستطيع؟
بل:
ماذا سيغير؟
هل سيغير النموذج الاقتصادي؟
هل سيعيد الاعتبار للخدمة العمومية؟
هل سيعيد توزيع الثروة؟
هل سيضع حدا للاحتكار والريع؟
هل سيواجه تضارب المصالح؟
هل سيعيد بناء المدرسة العمومية؟
هل سيحول الصحة إلى حق فعلي لا مجرد ورش؟
هل سيخلق وظائف للشباب؟
هل سيعيد الثقة إلى السياسة؟
هل سيعيد للأحزاب استقلاليتها؟
هل سيجعل البرلمان مؤسسة رقابة حقيقية؟
هل سيقبل بالنقابة كشريك لا كخصم؟
هذه هي الأسئلة.
أما أن نقول إن الرجل ناجح في الكرة، وبالتالي سينجح في الحكومة، فهذه ليست سياسة.
هذه دعاية رياضية.
أكبر فخ يمكن أن يقع فيه المغرب
أكبر فخ ليس أن يصبح لقجع رئيسا للحكومة.
يمكن أن يكون ناجحا، ويمكن أن يفشل.
التاريخ وحده سيحكم.
الفخ الحقيقي هو أن يتحول المغرب إلى بلد يبحث عن المنقذ كلما عجز عن إصلاح المؤسسات.
كلما فشل حزب، جئنا بتكنوقراطي.
كلما فشل تكنوقراطي، جئنا برجل أعمال.
كلما فشل رجل الأعمال، بحثنا عن رياضي.
كلما فشل الرياضي، بحثنا عن رجل قوي.
وهكذا ندور حول أنفسنا.
بينما الحقيقة البسيطة هي:
لا يوجد رجل يستطيع إنقاذ بلد من دون مؤسسات قوية.
لا نحتاج إلى «رونالدو» سياسي
المغرب ليس بحاجة إلى رئيس حكومة يشبه نجم كرة القدم.
ولا إلى حكومة تبحث عن البطولة في المدرجات.
ولا إلى سياسي يربح الشعبية لأنه وقف إلى جانب المنتخب.
نحن بحاجة إلى رجل أو امرأة يستطيع أن يقف أمام المغاربة عندما تكون الأخبار سيئة، لا عندما تكون الكؤوس مرفوعة.
نحتاج إلى من يستطيع أن يقول:
لقد أخطأنا.
وسنصحح.
نحتاج إلى سياسي لا يخاف من النقابة.
ولا من المعارضة.
ولا من الصحافة.
ولا من الشارع.
ولا من صناديق الاقتراع.
أما تحويل النجاح الرياضي إلى شرعية سياسية، فذلك يذكرنا بقاعدة خطيرة:
ليس كل من نجح في إدارة مباراة قادرا على إدارة مجتمع.
لقجع أمام الاختبار الحقيقي
إذا كان فوزي لقجع يريد فعلا دخول السياسة، فمرحبا به.
ليخض الانتخابات.
وليطلب ثقة المغاربة.
وليقدم برنامجه.
وليقل لهم ماذا يريد أن يفعل.
وليشرح لهم كيف سينقل خبرته المالية إلى سياسة اجتماعية.
وليخبر الشباب ماذا سيفعل من أجلهم.
وليقدم تصوره للمدرسة والصحة والتشغيل.
وليقل بوضوح هل يؤمن باستمرار النموذج الاقتصادي الحالي أم يريد تغييره.
وليواجه الصحافة.
وليقبل النقد.
وليقف أمام صناديق الاقتراع.
هناك فقط يبدأ الاختبار الحقيقي.
فإذا فاز، يكون قد حصل على الشرعية الانتخابية.
وإذا خسر، فعليه أن يقبل النتيجة.
هذه هي الديمقراطية.
أما أن يقال لنا إن الرجل «أكبر من الانتخابات»، فتلك بداية النهاية.
لا أحد أكبر من صناديق الاقتراع.
من حق المغاربة أن يشكوا
لقد عاش المغاربة طويلا على وعود الإصلاح.
وعاشوا أيضا على الأمل.
لكنهم أصبحوا أكثر حذرا.
لم تعد الصورة وحدها تكفي.
لم تعد الشعارات تكفي.
ولم يعد المنتخب الوطني، مهما كانت إنجازاته عظيمة، قادرا على تعويض المواطن عن مستشفى جيد أو مدرسة جيدة أو وظيفة محترمة.
المغربي يستطيع أن يفرح بفوز المنتخب.
ثم يعود في الصباح ليكتشف أن ابنه ما زال عاطلا.
ويستطيع أن يرفع العلم في المدرجات.
ثم يعود إلى بيته ليجد فاتورة الماء والكهرباء تنتظره.
ويستطيع أن يهتف للاعبين.
ثم يذهب إلى السوق ليكتشف أن راتبه لم يعد يكفي.
الفرح الوطني لا يلغي الألم الاجتماعي.
وهذه هي الحقيقة التي يجب ألا تنجح أي هندسة سياسية في إخفائها.
الخلاصة: لا نريد منقذا… نريد دولة سياسية
بعد كل ما عاشه المغرب من تحولات، من سنوات الرصاص إلى التناوب، ومن 20 فبراير إلى الريف وجرادة، ومن حكومة بنكيران إلى حكومة أخنوش، لا أعتقد أن المشكلة اليوم هي في البحث عن شخص جديد.
المشكلة في النظام الذي يجعلنا نبحث دائما عن الشخص.
نحن بحاجة إلى أحزاب حقيقية.
إلى انتخابات حقيقية.
إلى برلمان قوي.
إلى معارضة قوية.
إلى قضاء مستقل.
إلى إعلام حر.
إلى نقابات قوية.
إلى مجتمع مدني حي.
وإلى دولة مؤسسات لا دولة الأشخاص.
أما فوزي لقجع، فإن دخوله إلى «البام» وترشحه المرتقب انتخابيا يجعلان منه لاعبا سياسيا حقيقيا للمرة الأولى، وليس مجرد تكنوقراطي أو مسؤول رياضي.
ومن هذه اللحظة لن يكون من حقه أن يطلب من المغاربة أن يحاسبوه على إنجازات المنتخب.
سيحاسبونه على المدرسة والمستشفى والعمل والعدالة والكرامة والحرية والقدرة الشرائية.
لن تكون الكرة حَكَمَه.
سيكون المواطن هو الحكم.
وهناك، فقط، سنعرف:
هل كان فوزي لقجع مشروعا لزعامة سياسية حقيقية؟
أم أننا أمام آخر نسخة من صناعة «رجل المرحلة»؟
فالفرق كبير بين أن يصنع المجتمع زعيما…
وبين أن تُصنع له زعامة ثم يُطلب منه أن يصدق أنها جاءت من الشارع.
والكرة، مهما كانت ساحرة، لا تستطيع أن تحكم وطنا.
والوطن، في النهاية، لا يحتاج إلى منقذ.
يحتاج إلى عدالة.
وإلى مؤسسات.
وإلى سياسة تعيد للناس ثقتهم بأن صوتهم يستطيع أن يغير شيئا.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.