يبدو أن حزب العدالة والتنمية يريد أن يمارس المعارضة وكأن المغاربة نسوا أنه حكم البلاد لسنوات، وأن عليه مسؤولية سياسية عن قرارات تلك المرحلة.
في مقدمة هذه المفارقات قضية التطبيع مع إسرائيل. فالحزب كان يقود الحكومة عندما وقّع أمينه العام ورئيس الحكومة آنذاك، سعد الدين العثماني، اتفاق استئناف العلاقات مع إسرائيل سنة 2020. واليوم يحاول عبد الإله بنكيران أن يتحدث عن التطبيع من موقع المعارض، وكأن المسؤولية السياسية يمكن أن تمحى بخطبة أو تصريح.
الموقف من فلسطين لا يحتاج إلى مزايدة، وإنما إلى الوضوح وتحمل المسؤولية.
وفي ملف التقاعد، ما زال الموظفون يتذكرون إصلاح حكومة بنكيران الذي رفع سن التقاعد إلى 63 سنة، وزاد الاقتطاعات وغير طريقة احتساب المعاش. ثم يأتي الخطاب الحالي للحديث عن العدالة الاجتماعية وكأن هذه القرارات لم تكن جزءاً من الحصيلة الحكومية للحزب.
أما صندوق التنمية القروية، فقد كان بدوره عنواناً لجدل سياسي كبير خلال حكومة بنكيران، خصوصاً بشأن منح عزيز أخنوش صلاحيات الآمر بالصرف في الصندوق، وهو ما كشف حجم التوتر حول تدبير أموال التنمية القروية.
الحريات الفردية… والسجال مع مايسة سلامة
وتزداد المفارقة وضوحاً عندما نصل إلى الحريات الفردية.
فالسجال الذي دخل فيه بنكيران مع مايسة سلامة يكشف مشكلة أعمق من مجرد خلاف في الرأي. فالاختلاف السياسي مشروع، وانتقاد مواقف مايسة حق مشروع أيضاً، لكن تحويل النقاش إلى لباس المرأة وحياتها الخاصة أو اختياراتها الشخصية ليس حجة سياسية.
ناقشوا مايسة في أفكارها ومواقفها، ولا تحاكموا امرأة على حياتها الخاصة.
إذا كان حزب العدالة والتنمية يؤمن بالمشاركة السياسية، فعليه أن يقبل بأن تكون المرأة فاعلاً سياسياً مستقلاً، لا أن تصبح أهليتها للكلام مرتبطة بالزواج أو اللباس أو غير ذلك من الاختيارات الشخصية.
وهنا تكمن المفارقة: حزب يدافع عن حق مناضلاته في الترشح والوصول إلى البرلمان، بينما يسمح لبعض خطاباته بأن تنزلق إلى ممارسة الوصاية الأخلاقية على نساء يختلفن معه.
المشكلة ليست في المعارضة… بل في نسيان السلطة
لا أحد يطالب العدالة والتنمية بالصمت، ولا أحد ينكر حقه في المعارضة. المطلوب فقط هو الانسجام السياسي.
لا يمكن لحزب أن يوقع وهو في الحكومة، ثم يحتج وهو في المعارضة وكأن لا علاقة له بما وقع.
ولا يمكنه أن يرفع شعار العدالة الاجتماعية متناسياً كلفة بعض إصلاحاته على الموظفين.
ولا يمكنه أن يدافع عن الأخلاق العامة ثم يجعل الحياة الخاصة للنساء مادة للسجال السياسي.
أما تهكم بنكيران وخطبه، فلن يغير الوقائع.
فالسياسة ليست مسابقة في البلاغة، والتاريخ لا تمحوه النكتة، والمسؤولية لا تسقط بمجرد الانتقال من مقاعد الحكومة إلى مقاعد المعارضة.
وإذا كان للعدالة والتنمية أن يستعيد ثقة المغاربة، فالبداية ليست بالصراخ في وجه الخصوم، وإنما بالاعتراف بما له وما عليه.
فالمغاربة لا يحتاجون إلى ذاكرة سياسية انتقائية، بل إلى أحزاب تتذكر مسؤوليتها عندما تحكم، كما تتذكر أخطاء الآخرين عندما تعارض.