نائبٌ بــلا حصيلة: حين يُستبــدل التشريع بالضجيج … رشيد غاندي، باحث بجامعة القاضي عياض – فاعل ترابي، دمنات
قلم : رشيد غاندي
باحث بجامعة القاضي عياض – فاعل ترابي، دمنات
مقال رأي
ليست أزمة التمثيل النيابي بدائرة) دمنات-أزيلال (كامنة فقط في ضعف الترافع أو اختلاط الأدوار، بل أيضاً في ظاهرة أكثر عمقاً، تتمثل في غياب الحصيلة التشريعية وتعويضها بضجيج تواصلي كثيف. فكلما افتقر الأداء البرلماني إلى مبادرات نوعية داخل المؤسسة التشريعية، ارتفع منسوب الخطاب الموازي الذي يحاول إقناع الرأي العام بأن الحركة تعني الإنجاز، وأن كثافة الظهور تكفي لتغطية فراغ الأثر.
إن النائب البرلماني لا يُقاس حضوره بعدد الصور المنشورة، ولا بعدد البلاغات المعممة، ولا حتى بعدد اللقاءات البروتوكولية، بل بما راكمه من مساهمة فعلية في التشريع، وبما مارسه من رقابة جادة على السياسات الحكومية، وبما قدّمه من مرافعة مؤسساتية لصالح القضايا الكبرى التي تهم دائرته ومجاله الترابي. فالدستور أسند للبرلمان سلطة التشريع، ومراقبة عمل الحكومة، وتقييم السياسات العمومية، وهي وظائف لا يمكن اختزالها في استعراض تواصلي موسمي.
غير أن الملاحظ، في بعض التجارب التمثيلية المحلية، هو أن ضعف المبادرة داخل المؤسسة يُقابله نشاط دعائي خارجها. وحين تغيب الأسئلة الكبرى المرتبطة بعدالة توزيع الاستثمار، وخصوصية المجالات الجبلية، وفعالية البرامج العمومية في الأقاليم الهشة، يتم تعويض هذا الغياب بخطاب عام وفضفاض، يخلط بين الحضور السياسي والحضور الرقمي، وبين الفعل البرلماني والفعل الإشهاري.
والأخطر أن هذا النموذج يُنتج تضليلاً هادئاً للرأي العام. فبدل أن يسأل المواطن: ماذا اقترح ممثله البرلماني من تعديلات؟ ما الذي دافع عنه في قانون المالية؟ ما هي القضايا البنيوية التي أثارها داخل اللجان والجلسات؟ يجد نفسه محاصراً بسيل من المنشورات التي تقدم “النشاط” بديلاً عن “النتيجة”. وهكذا يتم تحويل النقاش من مساءلة الحصيلة إلى استهلاك الصورة، ومن تقييم الأثر إلى تتبع الحركة.
إن دائرة دمنات-أزيلال، بما تختزنه من تعقيدات مجالية واجتماعية، لا تحتمل هذا النوع من التمثيل الخفيف. فهي تحتاج إلى نائب يملك القدرة على نقل مشاكلها من مستوى التذمر المحلي إلى مستوى النقاش الوطني المؤثر، ويستطيع أن يحول معاناة الجبل، وضعف البنيات، واختلال الولوج إلى الخدمات، إلى ملفات سياسية وتشريعية حقيقية داخل البرلمان. أما الاكتفاء بالتواصل المكثف دون مضمون مؤسساتي، فلا يعني سوى تكريس الفراغ تحت غطاء الصخب.
ولعل أخطر ما في غياب الحصيلة التشريعية، أنه لا يضر فقط بصورة النائب، بل يضر بمكانة المؤسسة نفسها في وعي المواطنين. فعندما لا يرى الناس أثراً واضحاً لتمثيلهم داخل البرلمان، يتعزز لديهم الشعور بأن الانتخاب لا يغير شيئاً، وأن السياسة مجرد موسم للوعود ثم ينتهي. وهنا تتسع المسافة بين المجتمع والمؤسسات، ويصبح العزوف نتيجة منطقية لأداء لا يُقنع ولا يُنتج.
إن ربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتباره مبدأً دستورياً مؤطراً للحياة العامة، يفترض أن يشمل أيضاً تقييم الأداء التمثيلي على أساس الحصيلة لا على أساس الانطباع، وعلى قاعدة الأثر لا على قاعدة الضجيج. ولذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم بدائرة دمنات-أزيلال ليس: من الأكثر حضوراً على المنصات؟ بل: من الأكثر حضوراً في التشريع، وفي المراقبة، وفي الترافع الجاد عن القضايا المصيرية للإقليم؟
ففي السياسة، لا قيمة للضجيج حين يصمت الأثر. ولا معنى لكثرة الحركة حين يكون المقعد البرلماني، في لحظات الحسم، مجرد شاهد صامت على ما يجري.