بين تصريحات بنكيران وعودة ملف بنعيسى آيت الجيد… هل بدأت معركة الذاكرة السياسية؟

417
أزيلال 24 : عبد الجليل ابو الزهور

 

في السياسة، قد يكون التوقيت أهم من الحدث نفسه.
ففي الوقت الذي كانت فيه الساحة السياسية المغربية منشغلة بالتداعيات التي خلفتها تصريحات الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، في حق بعض مستشاري جلالة الملك، وما أعقبها من ردود فعل واسعة واعتذار عن إحدى العبارات التي أثارت الجدل، برز حدث آخر لم يمر مرور الكرام.
فقد عادت قناة تيلي ماروك، مساء الخميس، إلى واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في التاريخ السياسي المغربي، وهو ملف اغتيال الطالب اليساري الشهيد بنعيسى آيت الجيد. ولم تكتف المادة الإعلامية باستحضار وقائع القضية، بل أعادت التذكير بمسارها القضائي والسياسي، وذكرت بالاسم القيادي في حزب العدالة والتنمية عبد العالي حامي الدين، باعتباره من الشخصيات التي ارتبط اسمها بهذا الملف خلال سنوات طويلة من المتابعات والنقاش العمومي.
قد يعتبر البعض الأمر مجرد مصادفة زمنية، بينما قد يرى آخرون أن التوقيت وحده يفرض التساؤل.
هل هي مجرد عودة إعلامية إلى ملف ظل حاضراً في الذاكرة الوطنية؟ أم أن السياق السياسي الحالي يمنح لهذا الملف معنى يتجاوز بعده التاريخي؟
لا توجد معطيات معلنة تسمح بالجزم بوجود علاقة مباشرة بين الجدل الذي أثارته تصريحات بنكيران وبين إعادة إثارة قضية آيت الجيد. لكن، في المقابل، يصعب تجاهل أن الحدثين وقعا في لحظة سياسية واحدة، وفي مرحلة تتسم بارتفاع منسوب التنافس بين الفاعلين السياسيين مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
وليس خافياً أن ملف آيت الجيد ظل، منذ أكثر من ثلاثة عقود، يتجاوز كونه قضية جنائية إلى كونه أحد أبرز رموز الصراع الإيديولوجي الذي عرفته الجامعة المغربية بين اليسار والإسلاميين. ولذلك، فإن كل استحضار لهذا الملف يعيد معه جزءاً من ذلك التاريخ، بما يحمله من شحنات سياسية ورمزية.
كما أن تصريحات بنكيران الأخيرة لم تكن مجرد تصريحات عابرة، بل فتحت نقاشاً واسعاً حول طبيعة الخطاب السياسي وحدود النقد عندما يتعلق الأمر بمؤسسات الدولة ومحيطها، وهو نقاش احتل مساحة مهمة في الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
ومن هنا، يبدو أن المشهد السياسي المغربي يعيش مرحلة تتداخل فيها الوقائع الراهنة مع ملفات الماضي. فبدل أن يبقى التاريخ في أرشيف الأحداث، يعود ليصبح عنصراً فاعلاً في تشكيل النقاش العمومي، سواء عبر الإعلام أو عبر الخطاب السياسي.
ومن اللافت أيضاً أن هذا التزامن يأتي في ظرف تتجه فيه الأنظار إلى الاستحقاقات المقبلة، حيث تزداد حساسية الصورة السياسية للأحزاب وزعمائها، ويصبح لكل تصريح، ولكل مادة إعلامية، ولكل ملف يعود إلى الواجهة، أثر يتجاوز حدوده المباشرة.
ويبقى السؤال مطروحاً: لماذا عاد ملف آيت الجيد الآن بالذات؟ وهل كان سيعود إلى الواجهة بنفس الزخم لو لم تكن الساحة السياسية تعيش هذا الجدل الذي أعقب تصريحات بنكيران؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تقاطعاً زمنياً بين حدثين مستقلين؟
الإجابة قد تختلف باختلاف زاوية النظر، لكن المؤكد أن المشهد السياسي المغربي دخل مرحلة تتقاطع فيها الذاكرة مع الحاضر، وأن الرأي العام أصبح يقرأ الأحداث، ليس فقط من خلال مضمونها، بل أيضاً من خلال توقيتها، والرسائل التي قد يفهمها البعض من هذا التزامن، سواء كانت مقصودة أم مجرد مصادفة.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.