في مسألة التغيير… قلم  :حسن تزوضى

63
قلم  :حسن تزوضى

 

 

 

تبدو اشكالية  التغيير في ظاهرها إشكالية  بسيطة حيث تطرح أسئلة : كيف يتغير المجتمع؟ هل يبدأ التغيير من الفرد أم من الجماعة؟ هل يحتاج الإنسان أولاً إلى أن يغير نفسه، ثم ينتظر أن تتغير مؤسسات المجتمع والدولة،  أم أن الأمر عكس ذلك ، أي أن التغيير الحقيقي لا يتحقق إلا حين تتحول الإرادة الفردية إلى إرادة جماعية، والإرادة الجماعية إلى قوة سياسية قادرة على إعادة ترتيب علاقات السلطة؟
عند كل محاولة لمقاربة اشكالية التغيير في سياقنا المغربي والاسلامي عامة،  غالبا ما يُستدعى  قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ». ويُفهم هذا القول في بعض القراءات، باعتباره قاعدة عامة للتغيير: أصل المشكلة يوجد في الإنسان، وبالتالي فإن إصلاح الفرد هو المدخل الطبيعي لإصلاح المجتمع. غيّر وعيك، غيّر سلوكك، غيّر قيمك، وبعد ذلك سيتغير محيطك.
لا يمكن إنكار أهمية هذا المستوى من التغيير، فالمجتمع ليس كياناً ميتاً مستقلاً عن أفراده. إنه شبكة من البشر والممارسات والقيم والتمثلات، فلا يمكن بناء مجتمع ديمقراطي بأفراد يرفضون الديمقراطية، ولا بناء دولة القانون بأفراد يعتبرون القانون مجرد لا جدوى منه، ولا بناء ثقافة المواطنة بأفراد لا يرون في المجال العام سوى مساحة لتحقيق المصالح الخاصة.
لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا المبدأ إلى تفسير كامل للتغيير السياسي والاجتماعي. هنا يصبح السؤال التالي ضرورياً: هل يكفي أن أغير نفسي حتى تتغير الدولة؟ وهل يستطيع الفرد، بل حتى جماعة ما مهما بلغ وعيها أن يغير مؤسسات وتوجهات وأنماط سلوك يملك أدوات تغييرها؟ وهل يستطيع مواطن واحد أن يغير قانوناً، أو نظاماً انتخابياً، أو سياسة عمومية، أو ميزاناً للقوة، أو بنية اقتصادية تعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية؟
هنا يظهر الفرق بين التغيير الأخلاقي والتغيير السياسي.
قد أغير سلوكي، وقد أكون أكثر نزاهة، وأكثر وعياً، وأكثر التزاماً بالقانون. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المؤسسة أو النسق سيتغير، فقد يرفض الفرد الفساد، لكن رفضه الفردي لا يسقط منظومة تجعل الفساد ممارسة ممكنة ومربحة. وقد يكون المواطن واعياً بحقوقه، لكن وعيه وحده لا يمنحه بالضرورة القدرة على تغيير القوانين التي تحدد تلك الحقوق.
ولهذا فإن اختزال التغيير في الفرد يحمل من حيث لا ندري، خطراً سياسياً كبيراً. فهو قد يحول مشكلة بنيوية إلى مشكلة أخلاقية فردية بحيث يصبح الفقر نتيجة ضعف في الاجتهاد، وتصبح البطالة نتيجة نقص في الكفاءة، كما يصبح الفساد نتيجة فساد الأشخاص فقط. ويصبح الاستبداد نتيجة نقص في الوعي، وكأن المجتمع لا يملك مؤسسات، ولا مصالح، ولا علاقات قوة، ولا قوانين، ولا طبقات، ولا أجهزة تنتج الواقع وتعيد إنتاجه.
وهنا تحديداً تصبح المسألة أكثر تعقيداً.
فالتغيير السياسي لا يحدث بمجرد أن يقرر الناس في داخلهم أنهم يريدون التغيير. إنه يحدث عندما تتحول هذه الرغبة إلى إرادة جماعية منظمة، ثم إلى قوة سياسية قادرة على التأثير في مؤسسات القرار.
وهذا ما يجعل التغيير في جوهره مسألة جماعية.
الفرد يستطيع أن يحتج، لكن الجماعة تستطيع أن تجعل الاحتجاج قضية عامة.
الفرد يستطيع أن يرفض. لكن الجماعة تستطيع أن تجعل الرفض قوة اجتماعية.
الفرد يستطيع أن يحلم. لكن الجماعة تستطيع أن تحول الحلم إلى برنامج.
الفرد يملك الوعي. أما الجماعة المنظمة فتملك القدرة على الفعل.
وهنا نصل إلى قاعدة سياسية قديمة، لكنها ما تزال صالحة: من يملك أدوات التغيير يملك القدرة على صناعة التغيير.
فالسياسة ليست مجرد أفكار. إنها أيضاً مؤسسات وقوانين وموارد وتنظيم وموازين قوة. ومن يملك هذه الأدوات يستطيع أن يحول الإرادة إلى قرار. أما من لا يملكها، فقد يظل يملك أجمل الأفكار وأكثرها أخلاقية، دون أن يستطيع تحويلها إلى واقع.
لقد فهم كارل ماركس هذه المسألة من زاوية مختلفة حين ربط تغيير المجتمع بالبنية المادية وعلاقات الإنتاج والصراع الاجتماعي. ولم يكن ماكس فيبر بعيداً عن هذا المنطق حين جعل السلطة والشرعية والتنظيم عناصر أساسية لفهم الفعل السياسي. أما غرامشي فقد ذهب أبعد من ذلك حين بيّن أن السيطرة لا تقوم على القوة المادية وحدها، بل على الهيمنة الثقافية التي تجعل بعض الأفكار تبدو طبيعية وبديهية.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل يريد الناس التغيير؟
بل: من يملك القدرة على تحويل إرادة الناس إلى تغيير؟
وهذا فرق هائل.
فقد يعيش مجتمع كامل وهو غير راضٍ عن وضعه. وقد يشتكي الملايين من التعليم والصحة والبطالة والفساد وغلاء المعيشة. وقد تتراكم مشاعر الغضب عاماً بعد عام. لكن الغضب، مهما كان واسعاً، لا يصبح تغييراً سياسياً إلا عندما يجد قنوات للتنظيم والتعبير والتفاوض والضغط وصناعة القرار.
التاريخ السياسي يقدم لنا أمثلة لا تحصى على ذلك. لم تتغير المجتمعات الكبرى لأن ملايين الأفراد استيقظوا ذات صباح وقرروا أن يكونوا أفضل. تغيرت عندما ظهرت حركات اجتماعية ونقابات وأحزاب وتنظيمات وجبهات سياسية استطاعت تحويل المطالب المتفرقة إلى مطالب جماعية، وتحويل المطالب الجماعية إلى قوة تفاوضية.
لذلك فإن الإرادة السياسية ليست مجرد رغبة. إنها قدرة على الفعل.
وهنا ربما ينبغي أن نعيد قراءة عبارة «حتى يغيروا ما بأنفسهم» بطريقة مختلفة. فـ«ما بأنفسهم» لا ينبغي أن نفهمها فقط باعتبارها تغييراً نفسياً أو أخلاقياً فردياً. يمكن أن نفهمها أيضاً باعتبارها انتقالاً من حالة السلبية إلى حالة الفعل، ومن التشتت إلى التنظيم، ومن الخوف إلى المشاركة، ومن الشكوى الفردية إلى المطالبة الجماعية.
أن تغير نفسك يعني، في أحد أبعاده السياسية، أن تتوقف عن انتظار التغيير من الآخرين.
لكن أن تغير مجتمعاً يعني أن تتجاوز نفسك.
وهذا هو الفارق.
الفرد هو نقطة البداية، لكنه ليس نقطة الوصول.
الوعي الفردي ضروري، لكنه غير كافٍ.
والإرادة الفردية مهمة، لكنها لا تصبح قوة تاريخية إلا عندما تتحول إلى إرادة جماعية.
وهنا يمكن فهم أطروحة روسو حول الإرادة العامة. فالمجتمع السياسي لا يتأسس بمجرد جمع الإرادات الفردية، وإنما حين تتحول هذه الإرادات إلى إرادة مشتركة تتجه نحو تنظيم المجال العام. كما أن حنة أرندت، في تحليلها للفعل السياسي، أكدت أن السياسة لا تظهر في العزلة، بل في المجال المشترك الذي يجتمع فيه الناس ويتصرفون معاً.
السياسة بهذا المعنى، هي فن «الفعل مع الآخرين».
ولهذا فإن الفرد المنعزل، مهما كان واعياً، يظل محدود القدرة على تغيير البنية التي يعيش داخلها. أما حين يتشكل الفعل الجماعي، فإن الأمر يتغير. يصبح للمجتمع صوت. ويصبح للطلب الاجتماعي وزن. ويصبح للرفض السياسي معنى. وتصبح السلطة مضطرة إلى الإصغاء، أو التفاوض، أو إعادة ترتيب سياساتها.
لكن هنا أيضاً يجب الحذر من وهم آخر.
ليس كل تجمع جماعياً بالضرورة. وليس كل جمهور قوة سياسية. وليس كل غضب حركة اجتماعية.
الجماعة لا تصبح قوة بمجرد أن تكون كثيرة العدد. تصبح قوة حين تمتلك وعياً بمصالحها، وتنظيماً، وأهدافاً، وقيادة، وقدرة على الاستمرار. العدد وحده لا يصنع التغيير. التنظيم هو الذي يمنح العدد معنى سياسياً.
ولهذا كانت السلطة، عبر التاريخ، أكثر خوفاً من الجماعات المنظمة منها من الأفراد الغاضبين.
الفرد الغاضب يمكن احتواؤه.
أما الجماعة المنظمة فتطرح سؤالاً على بنية السلطة نفسها.
ومن هنا نفهم لماذا لا يمكن فصل التغيير الاجتماعي عن مسألة السلطة.
فالسلطة ليست فقط من يجلس في الحكومة أو البرلمان. السلطة موجودة في المؤسسات، وفي الإدارة، وفي الاقتصاد، وفي الإعلام، وفي المدرسة، وفي القانون، وفي القدرة على تحديد ما هو ممكن وما هو مستحيل. ولذلك فإن تغيير المجتمع يعني، في أحد أبعاده الأساسية، إعادة توزيع القدرة على الفعل.
من يملك القرار يملك جزءاً كبيراً من إمكانية التغيير.
ومن يملك المال يملك قدرة على التأثير.
ومن يملك التنظيم يملك قدرة على الاستمرار.
ومن يملك المعرفة يملك قدرة على إنتاج الخطاب.
ومن يملك المؤسسات يستطيع تحويل الأفكار إلى سياسات.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: قد يكون المجتمع بأكمله يريد التغيير، لكنه لا يملك أدواته. وقد تملك أقلية منظمة أدوات القرار، فتستطيع أن تفرض اتجاهات لا تحظى بالضرورة بالإجماع الاجتماعي.
لذلك لا يكفي أن نسأل: ماذا يريد الناس؟
ينبغي أن نسأل أيضاً: من يملك القدرة على جعل ما يريده الناس ممكناً؟
وهذا السؤال هو قلب السياسة.
التغيير إذن ليس مجرد مسألة وعي، ولا مجرد مسألة أخلاق، ولا مجرد مسألة رغبة. إنه علاقة بين الوعي والتنظيم والقوة والمؤسسة.
ومن الخطأ أن نضع الفرد والجماعة في تعارض مطلق. فالتغيير الجماعي لا يلغي التغيير الفردي. بالعكس. يحتاج إليه. لكن الفرد لا يستطيع أن يحمل وحده عبء تغيير بنية اجتماعية كاملة.
الفرد يزرع الفكرة.
الجماعة تحولها إلى مطلب.
التنظيم يحول المطلب إلى قوة.
والسياسة تحول القوة إلى قرار.
ثم يأتي القرار ليعيد تشكيل الواقع.
هذه هي السلسلة التي تجعل التغيير ممكناً.
لذلك، فإن السؤال «هل التغيير فردي أم جماعي؟» يحتاج إلى جواب أكثر دقة: يبدأ التغيير غالباً من الوعي الفردي، لكنه لا يصبح تغييراً سياسياً واجتماعياً إلا عندما يتحول إلى إرادة جماعية تمتلك أدوات الفعل.
فالمشكلة ليست أن الناس لا يريدون التغيير دائماً.
المشكلة أنهم قد يريدونه وهم لا يملكون أدواته.
وهنا تكمن إحدى أعقد مفارقات السياسة: أن تكون صاحب حق لا يعني بالضرورة أن تكون قادراً على فرضه. وأن تكون على صواب لا يعني أنك تملك القوة التي تجعل صوابك سياسة عامة.
لذلك لا يكفي أن نقول للناس: «غيروا أنفسكم».
ينبغي أن نسألهم أيضاً: كيف ستنظمون إرادتكم؟ كيف ستصنعون قوتكم الجماعية؟ كيف ستدخلون إلى المجال العام؟ كيف ستؤثرون في القرار؟ ومن سيمثلكم؟ ومن سيحاسب من يمثلكم؟
لأن التغيير الذي يبقى داخل الإنسان قد يكون تغييراً أخلاقياً جميلاً.
أما التغيير الذي يعيد ترتيب علاقة الإنسان بالمؤسسة وبالسلطة وبالمجتمع، فهو تغيير سياسي.
والسياسة، في النهاية، ليست علم الرغبات.
إنها علم تحويل الإرادة إلى قوة، والقوة إلى قرار، والقرار إلى واقع.
ولهذا فإن من يريد تغيير المجتمع لا يكفيه أن يغير نفسه.
عليه أن يبحث عن الآخرين.
فالتاريخ لا تصنعه إرادة فردية معزولة.
التاريخ تصنعه إرادات تلتقي، وتنظم نفسها، وتكتشف قوتها، ثم تدخل إلى المجال العام لتقول شيئاً بسيطاً، لكنه شديد الخطورة بالنسبة إلى كل سلطة: نحن هنا، ونريد أن نشارك في صناعة المستقبل.
وعندها فقط يصبح التغيير أكثر من أمنية.
يصبح إرادة سياسية.

باحث في الفلسفة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.