جمعية تغبالوت للتنمية المستدامة دوار لعوينة – بني عياط – أزيلال

197

أزيلال 24: صلاح حضري 

 

 

 

العمل الجمعوي والتطوعي رافعة للتنمية المحلية: مبادرة ترميم وإصلاح عين «تاغبالوت» نموذجاً

يُعدّ العمل الجمعوي والتطوعي أحد أهم المرتكزات الأساسية لتحقيق التنمية المحلية وتعزيز قيم المواطنة والمسؤولية الجماعية. فحين تتضافر جهود أفراد المجتمع، وتتوحّد الإرادات من أجل خدمة الصالح العام، تتحول المبادرات البسيطة إلى مشاريع ذات أثر عميق ومستدام في حياة الساكنة.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة مجموعة من الشباب المتطوعين الذين اختاروا أن يجعلوا من العمل الميداني وسيلة لخدمة مجتمعهم، بعيداً عن الانتظار والاتكال على الغير، معتمدين على سواعدهم وإرادتهم القوية، وعلى دعم ومساندة ساكنة المنطقة. وقد تجسدت هذه الروح النبيلة في المبادرة الرامية إلى ترميم وإصلاح العين المائية المعروفة باسم «تاغبالوت»، باعتبارها مورداً حيوياً له أهمية كبيرة بالنسبة للساكنة.

جمعية برؤية تنموية وإنسانية شاملة

تقوم فلسفة العمل الجمعوي على الإيمان بأن التنمية مسؤولية مشتركة، وأن المجتمع المدني قادر على لعب أدوار أساسية إلى جانب مختلف المؤسسات والفاعلين في تحسين ظروف عيش المواطنين.
ومن هذا المنطلق، تهدف الجمعية إلى تحقيق التنمية في مختلف المجالات والميادين، من خلال مجموعة من الأهداف الاجتماعية والتربوية والثقافية والبيئية والتنموية، وفي مقدمتها العمل على توفير وتوزيع الماء الصالح للشرب لفائدة ساكنة دوار العوينة بني عياط، مع إعطاء الأولوية لساكنة الدوار في الاستفادة من خدمات الجمعية، وإمكانية توسيع هذه الخدمات لتشمل دواوير أخرى وفق الإمكانيات والموارد المتاحة.
ولا يقتصر اهتمام الجمعية على الجانب المرتبط بالماء والبنيات الأساسية، بل يمتد إلى المجال التربوي والتعليمي، من خلال تنظيم أنشطة تربوية وثقافية لفائدة تلاميذ المنطقة، وتشجيعهم على مواصلة مسارهم الدراسي، والمساهمة في محاربة ظاهرة الهدر المدرسي.
كما تسعى الجمعية إلى تشجيع المبادرات الفردية والجماعية، ونشر ثقافة العمل التطوعي والتعاون والتضامن، باعتبارها قيماً أساسية لتأهيل المواطن وتمكينه من المساهمة الفعلية في تنمية مجتمعه.

التنمية المستدامة من خلال العمل التطوعي

تؤمن الجمعية بأن العمل التطوعي ليس مجرد نشاط عابر، بل هو رافعة حقيقية لتحقيق التنمية المستدامة، خصوصاً في المناطق التي تعاني من محدودية الإمكانيات أو نقص بعض التجهيزات والخدمات الأساسية.
ومن بين أهدافها الأساسية العمل على خلق الأوراش التنموية، وتشجيع الشباب على الانخراط في مشاريع صغرى ومبادرات محلية، مع الانفتاح على التجارب الوطنية والدولية الناجحة في مجال التنمية.
كما تعمل الجمعية على التعاون مع مختلف الفعاليات المدنية والمؤسسات والجمعيات المحلية والإقليمية والجهوية والوطنية والدولية، وعقد شراكات من شأنها أن تعزز قدراتها وتساعدها على تحقيق أهدافها.
وتولي الجمعية أهمية خاصة للتكوين والتحسيس، من خلال تنظيم الدورات التكوينية والندوات واللقاءات لفائدة ساكنة المنطقة، بما يساهم في تطوير القدرات ونشر الوعي وتعزيز المشاركة المواطنة.

عين «تاغبالوت»: مورد طبيعي وذاكرة جماعية

 

تُعتبر المياه من أهم مقومات الحياة، كما تشكل العيون والموارد المائية الطبيعية جزءاً من الذاكرة الجماعية والتراث البيئي للمجتمعات المحلية.
ومن هنا تكتسي مبادرة ترميم وإصلاح عين «تاغبالوت» أهمية خاصة، ليس فقط باعتبارها عملية تقنية لإصلاح مورد مائي، بل باعتبارها أيضاً مبادرة مواطنة تهدف إلى المحافظة على ثروة طبيعية من الضياع، وضمان استمرار استفادة الساكنة منها في مختلف استعمالاتها.
لقد أدرك الشباب المتطوعون أهمية هذا المورد الحيوي، فاختاروا الانتقال من مرحلة التشخيص والانتظار إلى مرحلة المبادرة والعمل. ورغم غياب الدعم المادي من الجهات المسؤولة، تمكنت الإرادة الجماعية، وسواعد المتطوعين، ومساندة الساكنة، من إطلاق أشغال الترميم والإصلاح.
وتُعد هذه المبادرة مثالاً واضحاً على أن قوة المجتمعات لا تُقاس فقط بما تتوفر عليه من إمكانيات مادية، بل أيضاً بما تمتلكه من وعي وإرادة وروح جماعية وقدرة على التضامن والعمل المشترك.

شباب اختاروا العمل بدل الانتظار

إن ما يميز هذه التجربة هو اعتمادها على العمل التطوعي وروح المسؤولية. فقد ساهم الشباب، إلى جانب أفراد من الساكنة، بوقتهم وجهدهم وخبرتهم المتواضعة من أجل تحقيق هدف مشترك، هو المحافظة على عين «تاغبالوت» وإصلاحها.
وهذه المبادرات تكتسي أهمية بالغة لأنها تقدم صورة مشرقة عن الشباب المغربي، ذلك الشباب الذي لا ينتظر دائماً الحلول الجاهزة، بل يستطيع أن يكون فاعلاً ومبادراً ومشاركاً في معالجة بعض القضايا التي تهم مجتمعه.
كما أن مشاركة الساكنة في هذه العملية تؤكد أن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان، وأن المشاريع التي تنطلق من حاجيات المجتمع وتشارك فيها الساكنة تكون أكثر قدرة على الاستمرار وتحقيق الأثر الإيجابي.

التضامن الاجتماعي والاهتمام بالفئات الهشة

ضمن رؤيتها الإنسانية، تسعى الجمعية إلى المساهمة في مساعدة المواطنين وتحسين ظروف عيشهم وفق الإمكانيات المتاحة، والعمل على خلق شبكة للتضامن والتكافل بين أفراد المجتمع.
كما تولي اهتماماً خاصاً بالفئات المعوزة وذوي الاحتياجات الخاصة، وتسعى إلى المساهمة في تسهيل اندماجهم داخل المجتمع وتعزيز قيم الكرامة الإنسانية والتعاون.
وتندرج ضمن اهتماماتها كذلك الصحة والنظافة، من خلال تنظيم الحملات الطبية والتوعوية والتحسيس بأهمية الوقاية والعناية بالصحة، إلى جانب دعم التربية البيئية وتنظيم حملات تهدف إلى نشر الوعي بأهمية المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية.

الثقافة والتربية والشباب في صلب الاهتمام

لا تكتمل التنمية دون الاستثمار في الإنسان، ولذلك تهتم الجمعية بالمجالات الثقافية والتربوية والرياضية والفنية والعلمية، من خلال تنظيم الأيام الدراسية والورشات والرحلات والمعارض والمخيمات والمؤتمرات والأنشطة المختلفة.
كما تسعى إلى اكتشاف مواهب الشباب وإبداعاتهم، والعمل على تطوير طاقاتهم وصقل قدراتهم، وإتاحة الفرصة أمامهم للتعبير والمشاركة في الحياة الاجتماعية والثقافية.
وتعمل أيضاً على تعزيز شعور الفرد بالانتماء إلى الوطن والأمة، ونشر القيم الإنسانية النبيلة في مختلف المناسبات واللقاءات وعبر وسائل الإعلام.

نحو تنمية محلية تشاركية

إن إصلاح بعض الطرق والمسالك الوعرة، والمحافظة على الموارد الطبيعية، وتشجيع المبادرات الشبابية، ودعم التعليم والصحة والبيئة، كلها مجالات تؤكد أن رؤية الجمعية تقوم على مفهوم شامل للتنمية المحلية.
فالتنمية ليست مجرد تشييد للبنيات أو إنجاز للمشاريع، بل هي قبل كل شيء بناء للإنسان، وتعزيز لثقته في قدرته على المشاركة، وترسيخ لقيم التعاون والمسؤولية والمواطنة.
ومن خلال الانفتاح على مختلف التجارب، والتعاون مع الفعاليات المدنية والمؤسسات، يمكن لهذه المبادرات أن تتحول إلى نماذج ناجحة للتنمية التشاركية، وأن تشكل مصدر إلهام لشباب مناطق أخرى.

كلمة شكر وتقدير

وفي ختام هذا المقال، لا يسعنا إلا أن نتقدم بأسمى عبارات الشكر والتقدير والامتنان إلى السيد عبد الواحد أيت موحوشت، صاحب المبادرة، تقديراً لروحه الوطنية العالية، وإيمانه بأهمية العمل التطوعي، وسعيه إلى خدمة المصلحة العامة والمحافظة على هذا المورد المائي الحيوي.
كما نتوجه بخالص الشكر والعرفان إلى جميع أعضاء الجمعية، وإلى الشباب المتطوعين الذين ساهموا بجهدهم ووقتهم وسواعدهم في أعمال ترميم وإصلاح عين «تاغبالوت».
ولا يمكن أن ننسى ساكنة المنطقة وكل من ساهم، من قريب أو بعيد، مادياً أو معنوياً أو بجهده الشخصي، في إنجاح هذه المبادرة. فكل مساهمة، مهما بدت بسيطة، كانت لبنة في بناء هذا العمل الجماعي النبيل.
إن هؤلاء المتطوعين يقدمون درساً بليغاً في المواطنة الحقيقية، ويؤكدون أن خدمة المجتمع لا تحتاج دائماً إلى إمكانيات ضخمة، بقدر ما تحتاج إلى إرادة صادقة، وقلوب مؤمنة بالمصلحة العامة، وأيدٍ تتعاون من أجل مستقبل أفضل.

إن مبادرة ترميم وإصلاح عين «تاغبالوت» ليست مجرد عملية إصلاح لمورد مائي، بل هي رسالة قوية تؤكد أن العمل الجماعي والتطوعي قادر على صناعة التغيير.
وهي تجربة تستحق التقدير والتشجيع والدعم، لأنها تجمع بين المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية، وخدمة الساكنة، وتعزيز روح التضامن، وإبراز الدور الحقيقي للشباب في التنمية المحلية.

فكل التحية والتقدير للسيد عبد الواحد أيت موحوشت، ولكافة أعضاء الجمعية، ولجميع المتطوعين والساكنة الذين آمنوا بهذه المبادرة وساهموا في إنجاحها دون أن ننسى بنت العوينة بالمهجر السيدة رحمة حيون الفخورة بانتمائها لقريتها.

تحية لكل يدٍ امتدت للبناء، ولكل قلبٍ آمن بأن خدمة المجتمع مسؤولية مشتركة، ولكل شاب اختار أن يعمل من أجل المصلحة العامة بدل أن يكتفي بالانتظار.

عين «تاغبالوت» ليست مجرد ماءٍ ينبع من الأرض، بل هي اليوم أيضاً رمزٌ للإرادة الجماعية، والتضامن، والأمل، والعمل التطوعي.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.