حكومة المنصوري.. تغيير الواجهة أم تغيير قواعد اللعبة؟ قلم :بوشعيب منعاريف

40

قلم : بوشعيب منعاريف

 

 

 

يقول لافوازييه: لا شيء يُفقد، ولا شيء يُستحدث، بل كل شيء يتحول. وربما تصلح هذه القاعدة الكيميائية، مجازا، لوصف المشهد السياسي الجديد ، وجوه تتغير، تحالفات يعاد ترتيبها، وأحزاب تنتقل بين الأغلبية والمعارضة، لكن السؤال الجوهري يبقى مطروحا هل يتغير فعلا نمط الحكم وتدبير الشأن العام، أم أن الأمر لا يتجاوز إعادة توزيع للأدوار داخل البنية نفسها؟

تتولى فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة في سياق سياسي لا يسمح بالكثير من المناورة. فحزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر الانتخابات، يجد نفسه أمام مهمة تشكيل أغلبية ليست فقط مطالبة بتوفير العدد الكافي من المقاعد، وإنما أيضا بتبرير تركيبتها سياسيا أمام ناخبين أنهكتهم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وأمام حصيلة حكومية سابقة شاركت فيها أحزاب مرشحة للوجود في الأغلبية الجديدة.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية ، كيف يمكن لحكومة جديدة أن تقدم نفسها باعتبارها بداية مرحلة مختلفة، فيما تضم القوى نفسها التي تحملت مسؤولية تدبير المرحلة السابقة؟

إعادة تركيب الأغلبية قد تكون مسألة حسابية، لكن بناء أغلبية سياسية منسجمة شيء آخر تماما. فإمكانية إقصاء التجمع الوطني للأحرار من الحكومة، أو تقليص وزنه داخلها، ستظل مرتبطة بتوازنات المفاوضات ومصالح الأطراف المشاركة. غير أن خروج الحزب إلى المعارضة، إذا حدث، سيطرح سؤالا سياسيا صعبا: كيف سيعارض سياسات كان جزءا من صياغتها وتنفيذها؟

وبالمقابل، فإن دخوله الحكومة من جديد سيضعه أمام مسؤولية الدفاع عن اختيارات سبق أن كانت موضع انتقاد واسع.

الأمر نفسه ينطبق على الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. فالمشاركة في الحكومة بعد خطاب نقدي تجاه التجربة السابقة ستفرض على الطرفين تفسير أسباب التحول وحدوده، وتقديم إجابة مقنعة عن الفارق بين الموقف من خارج السلطة والموقف من داخلها.

أما العدالة والتنمية، فقد حسم مبكرا موقعه في المعارضة، مغلقا بذلك بابا كان يمكن أن يدخل في الحسابات التفاوضية. وبذلك تتجه الخريطة نحو أغلبية جديدة، لكن من دون أن يعني ذلك بالضرورة نشوء معادلة سياسية جديدة.

المشكلة، إذن، ليست في عدد المقاعد التي ستتجمع خلف الحكومة، وإنما في حجم الشرعية السياسية والاجتماعية التي تستطيع هذه المقاعد إنتاجها. فالأغلبية البرلمانية شيء، والثقة الشعبية شيء آخر. ومع استمرار العزوف الانتخابي، يصبح السؤال عن العلاقة بين المؤسسات والمجتمع أكثر إلحاحا من السؤال عن توزيع الحقائب الوزارية.

المواطن لن يختبر الحكومة الجديدة من خلال هندسة تحالفاتها، وإنما من خلال ما ستفعله في الأسعار والتشغيل والصحة والتعليم والسكن والخدمات العمومية. كما سيختبرها في قدرتها على مواجهة مظاهر الفساد والريع وتضارب المصالح، لا من خلال شعارات الإصلاح والحكامة، وإنما عبر إجراءات مؤسساتية قابلة للقياس والمساءلة.

وسيكون ملف الاستثمارات الكبرى والاستعدادات لكأس العالم 2030 اختبارا إضافيا. فالمشاريع المرتبطة بهذا الاستحقاق يمكن أن تشكل رافعة اقتصادية وتنموية، لكنها ستطرح في الوقت نفسه سؤال الكلفة ومن يتحملها وكيف توزع ثمارها. فالتنمية لا تقاس بحجم الإنفاق وحده، بل بمدى انعكاسه على حياة المواطنين وعلى توزيع الفرص والثروة.

لهذا، فإن الرهان الحقيقي أمام حكومة المنصوري لا يتعلق بمن سيدخلها، بل بما إذا كانت قادرة على الانتقال من منطق تدبير التوازنات إلى منطق تغيير السياسات.

لقد جربت معظم الأحزاب في السلطة، وتبدلت التحالفات أكثر من مرة، لكن كثيرا من الأسئلة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ظلت قائمة.

ولذلك فإن الحكومة الجديدة لن تمنح شرعيتها السياسية بمجرد حصولها على أغلبية عددية، وإنما بقدرتها على تقديم أجوبة مختلفة، وعلى ربط المسؤولية بالمحاسبة، وعلى إثبات أن تغيير الحكومة يمكن أن يعني، هذه المرة، تغييرا في طريقة الحكم نفسها.

فإذا تغيرت الأسماء وبقيت الاختيارات، سيكون التغيير مجرد انتقال في الواجهة. أما إذا تغيرت قواعد صناعة القرار وأولويات السياسات العمومية وآليات المحاسبة، عندها فقط يمكن الحديث عن تحول سياسي حقيقي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.