العلاقة بين الفلسفة والعلم : في حاجة العلم إلى الفلسفة بقلم ذ: حسن تزوضى

151
بقلم ذ: حسن تزوضى

 

مدخل
من خلال ممارستنا لتدريس الفلسفة، كثيرًا ما نواجه أسئلة يطرحها تلامذتنا بشأن جدوى التفكير الفلسفي في عصر التقدم العلمي والتكنولوجي. ومن بين هذه الأسئلة سؤال جوهري يتكرر بصيغ مختلفة: هل ما زلنا في حاجة إلى الفلسفة ما دام العلم التجريبي قادرًا على تفسير الظواهر والكشف عن أسرار الطبيعة؟ وهل استطاع العلم أن يستقل عن الفلسفة، متجاوزًا بذلك الأسئلة التي ظلت تشغل الفكر الإنساني عبر تاريخه؟
إن مثل هذه الأسئلة على بساطتها الظاهرة، تفتح أمامنا نقاشًا إبستمولوجيًا عميقًا حول طبيعة العلاقة بين العلم والفلسفة، وحدود كل منهما، ومجالات التقاطع بينهما. ومن هذا المنطلق، ارتأيت أن أضع بين أيدي التلاميذ، وكل المهتمين بالفكر الفلسفي والعلمي، هذه المقالة البسيطة التي أحاول من خلالها تقديم بعض الإشارات الأولية لفهم العلاقة بين العلم والفلسفة، وتوضيح الأسباب التي تجعل العلم، رغم تقدمه واستقلال مناهجه، في حاجة مستمرة إلى التفكير الفلسفي. ولا أدّعي تقديم إجابات نهائية عن هذه الإشكالية، بقدر ما أسعى إلى فتح أفق للتفكير وإثارة أسئلة يمكن تعميق البحث فيها، انطلاقًا من بعض المحطات الأساسية في تاريخ فلسفة العلم والإبستمولوجيا.
 هل يستطيع العلم الاستغناء عن الفلسفة؟
 بداية نؤكد أن العلم التجريبيلم يعد في العصر الحديث مجرد نشاط معرفي محدود، بل أصبح إحدى أهم القوى التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالعالم. فقد مكّن الإنسان من اختراق أسرار الطبيعة واكتشاف قوانينها، والتحكم في كثير من ظواهرها، كما أفضى إلى تحولات تقنية هائلة مست جوانب الحياة المختلفة. وأمام هذا التقدم المتسارع، برز اعتقاد يرى أن العلم قد بلغ من القوة والاستقلال ما يجعله في غنى عن الفلسفة، وأن ما كانت الفلسفة تطرحه من أسئلة حول الطبيعة والإنسان والمعرفة أصبح من اختصاص العلم التجريبي. غير أن هذا التصور يقوم على خلط بين قدرة العلم على إنتاج المعرفة وبين قدرته على تأسيس شروطها وتحديد غاياتها. فالعلم، مهما بلغت دقته ونجاعته، لا يستطيع أن يستغني عن الأسئلة الفلسفية التي تتعلق بمبادئه ومفاهيمه وحدوده وغاياته.
إن قوة العلم لا تكمن فقط في النتائج التي يحققها، وإنما كذلك في المنهج الذي يعتمده. فالملاحظة والتجربة والقياس وصياغة الفرضيات والاختبار والتنبؤ جعلت من العلم نموذجًا للمعرفة الدقيقة والقابلة للتحقق. ومن هنا يمكن القول إن العلم يمتلك ما يمكن تسميته بـ«كارزما المنهج»، أي الجاذبية التي يستمدها من قدرته على تحويل الظواهر إلى موضوعات قابلة للملاحظة والقياس والتفسير. غير أن نجاح المنهج العلمي في تفسير الظواهر لا يعني أنه قادر، من تلقاء ذاته، على الإجابة عن جميع الأسئلة التي يمكن أن يطرحها العقل.
فالعلم يستطيع أن يفسر كيف تحدث الظواهر، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يحدد لماذا ينبغي للإنسان أن يستخدم المعرفة التي ينتجها، أو ما الغاية التي ينبغي أن توجه هذا الاستخدام. يستطيع الفيزيائي أن يكتشف إمكانات الطاقة النووية، ويستطيع عالم الأحياء أن يطور تقنيات للتدخل في المادة الحية، لكن الانتقال من سؤال «ما الذي يمكن فعله؟» إلى سؤال «ما الذي ينبغي فعله؟» يفتح مباشرة مجالًا فلسفيًا وأخلاقيًا. وهنا تظهر أهمية الفلسفة باعتبارها تفكيرًا في الشروط والحدود والغايات، لا باعتبارها منافسًا للعلم في تفسير الوقائع التجريبية.
لقد ساهمت النزعة الوضعية في القرن التاسع عشر في تعميق الاعتقاد باستقلال العلم عن الفلسفة. فقد رأى أوغست كونت أن الفكر البشري انتقل من المرحلة اللاهوتية إلى المرحلة الميتافيزيقية، ثم بلغ المرحلة الوضعية التي يصبح فيها العقل منشغلًا بدراسة الوقائع والقوانين العلمية. وداخل هذا التصور نشأت لاحقًا نزعة «العلموية» التي منحت المنهج العلمي مكانة شبه مطلقة، واعتبرت أن المعرفة الحقيقية هي وحدها تلك التي يمكن إخضاعها للملاحظة والاختبار والقياس. غير أن هذه الدعوى نفسها ليست نتيجة تجريبية، وإنما هي موقف فلسفي حول طبيعة المعرفة وحدودها. ومن المفارقات أن القول بأن «العلم وحده ينتج المعرفة الصحيحة» لا يمكن إثباته بالمنهج التجريبي نفسه.
ومن هنا تتضح أهمية الإبستمولوجيا باعتبارها أحد المجالات التي تكشف حاجة العلم إلى الفلسفة. فالعالِم لا يبدأ عمله من فراغ، وإنما يشتغل داخل شبكة من المفاهيم والافتراضات والمعايير المتعلقة بالحقيقة والدليل والبرهان والتفسير. وهذه الأسئلة لا تُحسم بالتجربة وحدها. لقد حاول كارل بوبر، مثلًا، أن يحدد معيارًا للتمييز بين المعرفة العلمية وغير العلمية من خلال مبدأ القابلية للتكذيب؛ أي إن النظرية العلمية، لكي تكون علمية، ينبغي أن تكون قابلة للاختبار بما يسمح من حيث المبدأ بإظهار خطئها. ومهما اختلفنا مع هذا المعيار أو مع مدى كفايته، فإن مجرد طرحه يكشف أن العلم يحتاج إلى تفكير في شروط علميته، وأن سؤال «ما الذي يجعل المعرفة علمية؟» ليس سؤالًا تجريبيًا بسيطًا، بل سؤال إبستمولوجي وفلسفي.
كما أن تاريخ العلوم نفسه يكشف أن المعرفة العلمية ليست مجرد تراكم خطي للوقائع. فقد أظهر توماس كون، في تحليله لبنية الثورات العلمية، أن العلم يشتغل داخل «نماذج إرشادية» توجه العلماء في تحديد المشكلات واختيار الأسئلة وطرق معالجتها. وعندما تتراكم المشكلات التي يعجز النموذج السائد عن تفسيرها، تدخل المعرفة العلمية في مرحلة أزمة قد تفضي إلى تحول في الإطار النظري نفسه. وهنا لا يعود التقدم العلمي مجرد إضافة معلومة جديدة إلى رصيد سابق، بل يصبح أحيانًا إعادة بناء للمفاهيم التي يُنظر من خلالها إلى الواقع.
إن هذه التحولات تكشف أن العلم لا يتحرك داخل فضاء محايد تمامًا، وإنما يتأسس على تصورات حول طبيعة الموضوع العلمي، ومعايير الحقيقة، ومفهوم التفسير، وحدود العقل والمنهج. ولذلك كانت فلسفة العلم حاضرة في قلب التفكير العلمي الحديث، لا من أجل الحلول محل العلم، وإنما من أجل مساءلته والكشف عن شروط اشتغاله وحدوده ومفاهيمه الأساسية.
وإذا كان العلم يحتاج إلى الفلسفة من أجل فهم شروط إنتاج المعرفة، فإنه يحتاج إليها أيضًا من أجل التفكير في نتائج هذه المعرفة. فالتطور العلمي والتكنولوجي لم يعد ينتج فقط إمكانات جديدة لتحسين حياة الإنسان، وإنما أنتج كذلك مخاطر جديدة تتعلق بالبيئة والحياة والخصوصية والحرب والتدخل في الكائنات الحية. وهنا يصبح السؤال الأخلاقي ضرورة لا يمكن للعلم التجريبي وحده أن يحسمها. فالعلم يخبرنا بما يمكن أن يحدث، لكنه لا يستطيع وحده أن يقرر ما ينبغي أن يحدث. إنه يوسع دائرة الإمكان، بينما تتدخل الفلسفة في تحديد معنى المسؤولية وحدود الفعل المشروع والغاية التي ينبغي أن توجه هذا الإمكان.
وتتضح هذه المسألة بصورة أكثر إلحاحًا في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية والتدخل المتزايد في الأنظمة البيئية. فكلما ازدادت قدرة الإنسان على التحكم في الطبيعة، ازدادت حاجته إلى مساءلة معنى هذا التحكم وحدوده. ومن هنا تبرز أهمية فلسفات المسؤولية والأخلاق البيئية، كما عند هانس يوناس، الذي أعاد التفكير في المسؤولية انطلاقًا من القوة غير المسبوقة التي أصبح يمتلكها الإنسان الحديث. فالمشكلة لم تعد فقط في معرفة ما تستطيع التكنولوجيا أن تفعله، بل في التفكير في مسؤولية الإنسان عن النتائج البعيدة لأفعاله.
وفي السياق نفسه، تطرح الأزمة البيئية سؤالًا يتجاوز حدود المختبر. فالعلم قادر على قياس ارتفاع درجات الحرارة، ورصد تراجع التنوع البيولوجي، وتحليل التغيرات التي تصيب النظم البيئية، لكنه لا يستطيع وحده أن يحدد القيمة الأخلاقية للطبيعة أو طبيعة العلاقة التي ينبغي أن يقيمها الإنسان معها. وهنا تتدخل الفلسفة البيئية لتنتقد التصور الأداتي الذي يحول الطبيعة إلى مجرد مورد قابل للاستغلال، ولتبحث عن إمكان بناء علاقة أكثر مسؤولية بين الإنسان ومحيطه الطبيعي.
ولا يعني هذا الدفاع عن حاجة العلم إلى الفلسفة التقليل من شأن العلم أو التشكيك في قيمة المنهج التجريبي. فالفلسفة ليست بديلًا عن المختبر، كما أن العالم ليس في حاجة إلى الفيلسوف كي يقوم مقامه في إجراء التجارب. إن الأمر يتعلق بتكامل في مستويات الأسئلة. فالعلم ينشغل، في المقام الأول، بكيفية اشتغال الظواهر وبالقوانين التي تنتظم وفقها، بينما تشتغل الفلسفة على المفاهيم والمبادئ والحدود والغايات التي تؤطر هذا النشاط. ولذلك فإن العلاقة بينهما ليست علاقة صراع على مجال واحد، وإنما علاقة حوار بين نمطين من التفكير يتقاطعان في البحث عن فهم أكثر عمقًا للإنسان والعالم.
إن القول بأن العلم تجاوز الفلسفة يفترض أن العلم قادر على إنتاج المعرفة وتبريرها وتحديد قيمتها وغاياتها في آن واحد. غير أن تاريخ العلم وفلسفة العلم يبينان أن هذه الوظائف ليست من طبيعة واحدة. فهناك فرق بين اكتشاف حقيقة تجريبية وبين التفكير في معنى الحقيقة، وبين اكتشاف قدرة تقنية وبين تحديد مشروعية استخدامها، وبين تفسير ظاهرة طبيعية وبين تحديد القيمة التي ينبغي أن نمنحها لها. ومن ثم فإن تقدم العلم لا يلغي الفلسفة، بل يجعل الحاجة إليها أكثر إلحاحًا، لأن اتساع دائرة المعرفة يوسع في الوقت نفسه دائرة الأسئلة التي ينبغي مساءلتها.
إن العلم من دون فلسفة قد يمتلك قوة هائلة في تفسير العالم والتدخل فيه، لكنه يحتاج إلى التفكير الفلسفي حتى يسائل شروط هذه القوة وحدودها وغاياتها. والفلسفة من دون العلم قد تفقد بدورها صلتها بالواقع المادي الذي يسهم العلم في الكشف عنه. لذلك لا تكمن المسألة في اختيار العلم ضد الفلسفة أو الفلسفة ضد العلم، وإنما في بناء علاقة نقدية بينهما تجعل المعرفة العلمية أكثر وعيًا بأسسها، وتجعل التفكير الفلسفي أكثر اتصالًا بالتحولات التي يعرفها العالم.
وهكذا، فإن مستقبل المعرفة لا يبدو رهينًا بإقصاء الفلسفة لصالح العلم، ولا بإعادة العلم إلى وصاية الفلسفة، وإنما بقدرتهما على بناء حوار نقدي دائم. فكلما اتسعت قدرة الإنسان على معرفة الطبيعة والتحكم فيها، ازدادت حاجته إلى أن يسأل: ما حدود هذه القدرة؟ ولأي غاية ينبغي توجيهها؟ وما المسؤولية التي تترتب عنها؟ ولعل هذه الأسئلة هي التي تجعل الفلسفة، في عصر التقدم العلمي، ليست بقايا من الماضي، بل ضرورة للتفكير في مستقبل المعرفة ومستقبل الإنسان.
 مراجع يمكن الإعتماد عليها لتعميق البحث في الموضوع :
 -توماس كون، بنية الثورات العلمية، ترجمة شوقي جلال.
 -غاستون باشلار، تكوين العقل العلمي: مساهمة في التحليل النفسي للمعرفة الموضوعية، ترجمة خليل أحمد خليل.
 -محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم
 -محمد وقيدي، ما هي الإبستمولوجيا؟
-سالم يفوت، الإبستمولوجيا والتاريخ
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.