القومجية في اليسار المغربي.. حراس العربية ينتصبون في وجه الأمازيغية والحسانية!

63

بقلم : أحمد نشاطي

 

 

 

تكفي أحيانا مداخلة برلمانية واحدة لكشف ما تختزنه بعض المرجعيات الإيديولوجية من تناقضات، وما تعجز سنوات طويلة من الشعارات التقدمية عن إخفائه. وهذا بالضبط ما كشفته مداخلات النائب البرلماني عن تحالف اليسار، عمر محمود بنجلون، الذي اختار أن يجعل الدفاع عن اللغة العربية مدخلا لمساءلة الاعتمادات المالية المخصصة لتفعيل رسمية الأمازيغية، قبل أن تمتد مواقفه إلى طريقة استعمال الحسانية داخل مجلس النواب، في واقعة أثارت غضبا واسعا في أوساط الحركة الأمازيغية وعموم الصحراويين المغاربة سواء داخل الأقاليم الجنوبية أو داخل مخيمات تندوف أو في الشتات…

 نحن هنا أمام أكثر من زلة لسان أو اختلاف في تقدير قواعد التواصل داخل مؤسسة تشريعية وحتى خارجها، نحن أمام تصور للغة والمجتمع والهوية يستحق أن يوضع تحت مجهر النقد السياسي والفكري، خصوصا حين يصدر عن برلماني ينتسب إلى اليسار، ويفترض أن يكون أكثر حساسية تجاه التعدد والإنصاف وحقوق الجماعات التي عانت التهميش.

 لقد دعا بنجلون رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، خلال مناقشة البرنامج الحكومي، إلى حماية مكانة العربية، مستحضرا الاعتمادات المالية المرصودة للأمازيغية، ومختزلا المشترك اللغوي الرسمي للمغاربة في “لغة الضاد، اللغة العربية”. كما استخدم عبارة “إسقاط الهمزة أو رفعها” في سياق حديثه عن أولويات التصويت والبرنامج الحكومي. وفي واقعة أخرى، انتقد استعمال الحسانية في تسيير جلسة برلمانية، وأثار غضبا بسبب العبارة التي استعملها: “ياك ما البرلمان ديال شي دولة جارة؟”. وهكذا اجتمعت في وقت وجيز واقعتان تضعان السؤال نفسه أمام الرأي العام: أي مغرب يتصوره هذا السياسي، وأي مكانة يمنحها للغات التي يتحدث بها المغاربة فعليا، وللرصيد الثقافي الذي تشكل عبر قرون من التاريخ المشترك؟

 المفارقة أن بنجلون يتحدث من داخل مؤسسة يفترض أنها تجسد التعدد المغربي، ومن موقع سياسي يستند إلى تراث يساري يفترض أن يناهض التراتبيات والتمييز والإقصاء. لكن خطابه يضعنا أمام نموذج من التفكير الذي يستحضر اللغة العربية باعتبارها التعبير الطبيعي عن المشترك الوطني، بينما تبدو الأمازيغية والحسانية، في أحسن الأحوال، موضوعين يحتاجان إلى تبرير حضورهما داخل الفضاء المؤسساتي. هنا تكمن المشكلة: حين تتحول لغة إلى معيار ضمني للمواطنة، وتصبح اللغات الأخرى مطالبة في كل مرة بإثبات حقها في الوجود والاستعمال، فإننا نكون أمام تراتبية لغوية تتجاوز الاختلاف المشروع حول السياسة التعليمية أو لغة الإدارة، لتلامس طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

 ولا يتعلق الأمر بمناهضة اللغة العربية أو الانتقاص منقيمتها الثقافية والحضارية. العربية لغة ذات تاريخ، ولها مكانتها في الثقافة المغربية وفي التراث الديني والأدبي والفكري، ومن حق المغاربة المرتبطين بها أن يدافعوا عن تعليمها وتطويرها وتوسيع مجالات استعمالها. لكن الدفاع عن لغة لا يمنح أصحابها حق احتكار تعريف الهوية الوطنية، ولا يخول لهم التعامل مع لغة أخرى باعتبارها عبئا ماليا أو منافسا ينبغي ضبط حضوره. فاللغة العربية لا تحتاج إلى إضعاف الأمازيغية كي تحافظ على مكانتها، مثلما لا تحتاج الأمازيغية إلى إقصاء العربية كي تستعيد حقوقها. الذي يحتاج إلى المراجعة هو منطق المفاضلة الذي يجعل الاعتراف بلغة أخرى يبدو وكأنه انتقاص من اللغة التي يدافع عنها.

 إن استحضار الملياري درهم المخصصة لتفعيل رسمية الأمازيغية، في سياق المطالبة بإيلاء العربية اهتماما مماثلا، يطرح سؤالا عن الكيفية التي يجري بها النظر إلى الإنصاف اللغوي. فالميزانية المخصصة للأمازيغية ليست امتيازا لفئة من المغاربة، ولا منحة ثقافية يمكن للحكومة أن تمنحها أو تحجبها بحسب مزاجها السياسي، إنها جزء من متطلبات تنزيل التزام دستوري، في سياق تاريخي ظلت فيه الأمازيغية محرومة من الحضور المؤسسي المتكافئ.

 طبيعي، هنا، من حق البرلمان أن يسائل الحكومة عن حجم هذه الاعتمادات، وعن كيفية صرفها، وعن نتائج البرامج المرتبطة بها، وعن مدى تناسب الموارد مع الحاجيات الفعلية. لكن هذه المساءلة ينبغي أن تنطلق من سؤال الإنصاف والنجاعة، لا من تصور يجعل إنفاق المال العام على تفعيل لغة رسمية موضوعا يستدعي التبرير، بينما يحظى حضور لغة أخرى في مؤسسات الدولة بشرعية تبدو بديهية.

 كان بوسع النائب أن يسائل الحكومة عن التأخر في تعميم تدريس الأمازيغية، وعن حضورها الفعلي في الإدارات والمحاكم والمستشفيات والإعلام العمومي، وعن الموارد البشرية اللازمة لتفعيلها، وعن الفجوة بين النصوص القانونية والممارسة اليومية. وكان بوسعه أن يطالب ببرنامج زمني واضح، وبمؤشرات قابلة للقياس، وبربط الاعتمادات المالية بنتائج ملموسة. بذلك كان سيؤدي دوره الرقابي من داخل التزامه بالمساواة الدستورية. أما وضع الاعتمادات المخصصة للأمازيغية في مواجهة المطالبة بحماية العربية، مع اختزال المشترك اللغوي الرسمي في لغة واحدة، فقد أعاد إنتاج السؤال الذي ظل يرافق السياسة اللغوية المغربية: هل ينظر بعض السياسيين إلى الأمازيغية باعتبارها حقا أصيلا للمغاربة، أم باعتبارها ملفا إضافيا ينبغي تدبيره من دون المساس بالمكانة المركزية التي تحتلها العربية في تصورهم للهوية؟

 وتأتي واقعة الحسانية لتزيد هذا السؤال وضوحا. فالحسانية ليست لغة دخيلة على البرلمان المغربي، ولا علامة على انتماء إلى “دولة مجاورة”، إنها جزء من الذاكرة الثقافية واللغوية للصحراء المغربية، ومن الرصيد الذي تشكلت منه الهوية الوطنية عبر تاريخ طويل. وأي تعامل مع استعمالها باعتباره أمرا يثير الاستغراب داخل المؤسسة التشريعية ينطوي على تجاهل لحقيقة أن البرلمان يمثل مغاربة يتحدثون لغات وتنوعات لسانية متعددة. وقد أثارت الواقعة غضبا في أوساط الصحراويين المغاربة، بما يكشف أن المسألة تتجاوز حدود النقاش العابر حول طريقة تسيير جلسة برلمانية، لتلامس شعور المواطنين بمكانة لغتهم وكرامتهم الثقافية داخل الدولة التي يعتبرونها وطنهم.

 إن وحدة المغرب لا تتأسس على إخضاع الجميع لنموذج لغوي واحد، ولا على مطالبة المتحدثين بالحسانية أو الأمازيغية بتكييف حضورهم مع تصور مسبق لما ينبغي أن تكون عليه اللغة المقبولة داخل المؤسسات. الوحدة الوطنية تتقوى حين يجد المواطن في مؤسساته اعترافا بلسانه وثقافته وتاريخه، وحين يصبح التعدد حقيقة عملية لا مجرد عبارة تزين الوثائق الرسمية. ومن غير المعقول أن يحتفي الخطاب السياسي بوحدة التراب الوطني، ثم يتعامل مع أحد أبرز مكونات الذاكرة الثقافية للأقاليم الجنوبية كما لو أن حضوره يحتاج إلى دفاع أو تبرير.

 هنا نصل إلى جوهر المعضلة، التي أتناولها في كتابي المقبل “معضلة اليسار المغربي الماركسي”، الذي آمل أن أصدره خلال نهاية 2026 أو بداية 2027: استمرار حضور القومجية داخل جزء من اليسار، بما تحمله من تصورات تجعل اللغة العربية مركزا للهوية، وتتعامل مع الأمازيغية باعتبارها شأنا ثقافيا ثانويا أو مطلبا خاصا بجماعة معينة. لقد عرف تاريخ اليسار المغربي تداخلا بين المرجعية الماركسية وتيارات القومية العربية، ونتج عن هذا التداخل أحيانا تصور للهوية الوطنية يتجاوز التحليل المادي والتاريخي للمجتمع، ويستبدل به نموذجا قوميا جاهزا يضع اللغة العربية في مركز الانتماء المشترك.

 والحال أن الماركسية، حين تتحول إلى أداة لتحليل الواقع بدل أن تصبح منظومة شعارات جامدة، تقتضي الانطلاق من التاريخ الفعلي للمجتمع، ومن العلاقات التي تشكلت داخله، ومن مظاهر التفاوت والهيمنة التي تنتجها المؤسسات. وكان يفترض بيسار يستند إلى هذا المنهج أن يدرك أن التفاوت بين اللغات لا ينتج عن اختلاف طبيعي في قيمتها، بل يتأثر بالسياسات التعليمية والإدارية وبالنفوذ المؤسساتي وبالفرص المتاحة لكل لغة في إنتاج المعرفة والتواصل مع الدولة. وكان يفترض به أيضا أن ينظر إلى التهميش الذي تعرضت له الأمازيغية باعتباره قضية ديمقراطية واجتماعية، لا موضوعا هوياتيا منفصلا عن الصراع من أجل المساواة.

 لكن بعض مكونات اليسار ظلت أسيرة تصور يخلط بين القومية العربية والتحرر الاجتماعي، حتى أصبح الدفاع عن العربية عندها أقرب إلى مسلمة إيديولوجية لا تحتاج إلى مراجعة، بينما تتطلب المطالب الأمازيغية والحسانية تفسيرا وتبريرا. وهذا ما يجعل القومجية عائقا أمام تجديد اليسار المغربي: فهي تدفعه إلى الدفاع عن ترتيب لغوي موروث، بدلا من مساءلة الظروف التاريخية التي أنتجته، وإلى التعامل مع الإنصاف بوصفه تهديدا لمكانة لغة، بدلا من اعتباره شرطا لبناء مجتمع أكثر ديمقراطية.

 وتبرز مفارقة إضافية حين نلاحظ حضور الفرنسية في خطاب بنجلون ومداخلاته. فالاستعمال المتكرر للفرنسية داخل فضاء يفترض أن يكون موضوع النقاش فيه هو مكانة اللغات الوطنية يفتح بابا مشروعا لمساءلة العلاقة بين الخطاب القومجي والممارسة اللغوية. فكيف يستقيم التشديد على مركزية العربية، في الوقت الذي تظل فيه الفرنسية حاضرة بقوة في قطاعات واسعة من الإدارة والتعليم العالي والاقتصاد والنخب السياسية؟ ولماذا تستدعي الأمازيغية النقاش حول الاعتمادات المالية ومشروعية الحضور، بينما تمر الامتيازات المؤسساتية التي راكمتها الفرنسية في كثير من المجالات من دون أن تحظى بالقدر نفسه من الاستنفار؟

 لا يتعلق الأمر بمنع استعمال الفرنسية أو تحويل الاختيارات اللغوية الشخصية إلى تهمة سياسية، لأن المقصود، بالنسبة إلي، هو كشف التناقض في ترتيب الأولويات. فالفرنسية تستمد حضورها من تاريخ من السياسات والمؤسسات وشبكات المصالح والفرص التعليمية والاقتصادية، بينما لا تزال الأمازيغية تخوض معركة توسيع حضورها في عدد من المؤسسات الأساسية. وعندما يشتد الخطاب دفاعا عن العربية في مواجهة الأمازيغية، من دون أن يوجه القدر نفسه من النقد إلى الاختلالات التي تحد من استعمال اللغات الوطنية أمام الفرنسية، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت القضية تتعلق فعلا بالدفاع عن السيادة اللغوية، أم باستمرار تصور قومي يمنح العربية مكانة رمزية مركزية من دون أن يقدم مشروعا متماسكا لمعالجة واقع التعدد اللغوي، أم الأمر لا يعدو التباهي باستعمال الفرنسية وتوجيه رسائل إلى من يعنيهم الأمر في مراكز القرار والنفوذ؟!

 وعموما، فإن تصريحات بنجلون، في استعماله “المفتعل” للفرنسية، يكشف عمق التناقض بين الخطاب والممارسة، وقدرة المرجعية الإيديولوجية على تفسير الواقع الذي تدعي تمثيله. فالسياسي الذي يدافع عن العربية مطالب بأن يوضح تصوره لمكانة الأمازيغية والحسانية، كما أن اليسار الذي يتحدث باسم المساواة مطالب بأن يبين كيف سيترجمها إلى سياسة لغوية منصفة، لا أن يكتفي بشعارات عامة عن الوحدة والتقدم.

 وفي اعتقادي الشخصي، أرى أن تجاوز هذه المعضلة يقتضي الذهاب إلى أبعد من المطالبة بتوضيح موقف أو تقديم اعتذار. المطلوب مراجعة فكرية وسياسية جادة للتصور الذي يربط الهوية المغربية بمركز لغوي واحد، وللموروث القومجي الذي تسلل إلى بعض تيارات اليسار حتى أصبح جزءا من مسلماتها. فالتقدمية لا تقاس فقط بالمواقف من الملكية البرلمانية أو العدالة الاجتماعية أو توزيع الثروة، بقدر ما تقاس أيضا بمدى الاستعداد لمراجعة الامتيازات الثقافية واللغوية، وبالقدرة على الاعتراف بحقوق المواطنين حتى عندما تفرض هذه الحقوق إعادة النظر في ترتيبات مألوفة ومستقرة.

 وفي هذا الإطار، أدافع عن مشروع سياسي استراتيجي يجعل الأمازيغية اللغة الرسمية الأولى للمغرب، ويجعل تعلمها إجباريا في المدرسة، ويمنحها مكانة مركزية في الإدارة والقضاء والإعلام والخدمات العمومية، مع جعل العربية اللغة الرسمية الثانية التي يكون تعلمها اختياريا. هذا تصور مستقبلي يستهدف تغييرا دستوريا في أفق قادم، وليس وصفا للقانون الجاري به العمل اليوم. فالدستور المغربي الحالي يقر رسمية الأمازيغية والعربية معا، ويحدد الفصل الخامس الإطار العام لهذه الرسمية، فيما ينظم القانون رقم 26.16 مراحل تفعيل رسمية الأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجالات الحياة العامة.

 إن طرح هذا المشروع لا يعني مصادرة حق المغاربة في تعلم العربية أو استعمالها أو الإنتاج بها، ولا ينطلق من عداء للثقافة العربية. إنه يعبر عن قناعة بأن الإنصاف التاريخي قد يتطلب الانتقال من الاعتراف الشكلي إلى إعادة ترتيب الأولويات، ومن مساواة قانونية لا تزال تعترضها تفاوتات مؤسساتية إلى سياسة لغوية تمنح الأمازيغية الإمكانات التي تحتاج إليها كي تصبح لغة تعليم ومعرفة وإدارة وتواصل يومي مع الدولة. أما جعل العربية اختيارية في هذا التصور، فهو مقترح سياسي ينبغي أن يخضع لنقاش وطني وديمقراطي واسع، وأن يترجم عبر مسار دستوري وتشريعي واضح، يراعي الحقوق الفردية ويضمن الشروط العملية للانتقال.

 والانتماء إلى المغرب، في اعتقادي، لا يجب أن يتوقف على جعل العربية اللغة المركزية في الحياة العامة، كما أن الدفاع عن الأمازيغية لا يتطلب من المواطن أن يثبت أصله أو أن يتبرأ من لغة أخرى. هناك ملايين المغاربة الذين لا يجعلون من العربية أولوية في حياتهم الثقافية أو العملية، سواء كانوا من أصول أمازيغية أو حتى عربية، ومن حقهم أن يناقشوا مستقبل السياسة اللغوية من منطلق المواطنة والاختيار والإنصاف. لا توجد لغة تمنح أصحابها مواطنة أعلى درجة، ولا ينبغي أن تتحول لغة إلى امتحان إيديولوجي يحدد من يحق له تمثيل المجتمع ومن ينبغي أن يظل في هامشه.

 كما أن مراجعة الموروث القومجي لا تعني استبدال قومجيةبأخرى، ولا نقل الامتياز من جماعة لغوية إلى جماعة أخرى. إنها تعني تفكيك المنطق الذي يجعل الدولة امتدادا لهوية لغوية أحادية، وبناء تصور ديمقراطي تكون فيه اللغة وسيلة للمعرفة والمشاركة والاندماج في المؤسسات، لا أداة للتمييز أو الإقصاء. والمشروع الذي أدافع عنه بشأن أولوية الأمازيغية يستمد مبرره من ضرورة تصحيح اختلال تاريخي، ومن الحاجة إلى جعل لغة الأرض والمجتمع أكثر حضورا في مؤسسات الدولة، لا من الرغبة في الانتقام الثقافي أو فرض هوية مضادة.

 أما مكونات “تحالف اليسار”، فإن هذه الواقعة تضعها أمام سؤال يتجاوز المسؤولية عن مداخلة برلمانية قدمت باسم مجموعتها النيابية. إنها مدعوة إلى توضيح تصورها للحقوق اللغوية، وإلى بيان ما إذا كانت مرجعيتهاالديمقراطية تشمل فعلا المساواة بين اللغات الوطنية، أم أنها ما تزال متأثرة بتراث قومجي يجعل العربية مركزا لا يجوز الاقتراب منه، مثلما هو الحال لدى أحد مكونات التحالف، الذي ينتمي إليه عمر بنجلون، وهو حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي (سابقا) ذي النزعة القومجيةالعروبية المتأثرة بأصول بعثية سورية. فالاندماج التنظيمي بين مكونات اليسار لن ينتج بالضرورة تجديدا فكريا ما لم يصاحبه نقد للمسلمات القديمة، ومراجعة للعلاقة بين الماركسية والقومية، وبناء مشروع مغربي متجذر في التاريخ الاجتماعي والثقافي للمجتمع.

 لقد تجاوز المغرب مرحلة يمكن فيها التعامل مع الأمازيغية والحسانية باعتبارهما موضوعين هامشيين في النقاش حول الهوية الوطنية. الاعتراف الدستوري بالأمازيغية، ومكانة الحسانية في الرصيد الثقافي المغربي، يفرضان على المؤسسات والأحزاب إعادة النظر في اللغة التي تتحدث بها عن المجتمع، وفي التصورات التي تعتمدها لتحديد المشترك الوطني. ولا يكفي أن تعلن الأحزاب دفاعها عن الوحدة إذا كانت ممارسات بعض ممثليها تضيق بالتعدد الذي تقوم عليه هذه الوحدة. كما لا يكفي أن ترفع شعارات العدالة الاجتماعية إذا لم تكن مستعدة لربطها بالعدالة اللغوية والثقافية.

 إن مداخلة بنجلون وما أثارته من ردود فعل تكشف أن معركة تجديد اليسار المغربي ليست معركة تنظيمية فحسب، ولا تتعلق فقط بتراجع انتخابي أو أزمة قيادة أو ضعف في الخطاب الاجتماعي. إنها أيضا معركة فكرية ضد التصورات التي تعيد إنتاج التراتبية تحت غطاء التقدمية، وضد القومجية التي تجعل لغة واحدة مركزا للهوية، ثم تطلب من بقية اللغات أن تكتفي بما يسمح به ذلك المركز. والخروج من هذه المعضلة يبدأ بالاعتراف بأن المغرب لم يكن يوما ملكا للغة واحدة، وأن مستقبله الديمقراطي لا يمكن أن يبنى على تراتبية تجعل بعض المواطنين أكثر حضورا في مؤسسات الدولة من غيرهم بسبب اللغة التي يتحدثون بها.

 نريد يسارا مغربيا قادرا على الدفاع عن العدالة الاجتماعية والحقوق الديمقراطية، لكنه قادر أيضا على نقد موروثه حين يتحول إلى عائق أمام المساواة. نريد يسارا لا يخشى الأمازيغية ولا يتعامل مع الحسانية باعتبارها استثناء، ولا يختزل الوطنية في لغة أو ثقافة، بل يرى في التعدد مصدر قوة للمجتمع. فالمغرب الذي نطمح إليه هو الذي تتحول فيه الأمازيغية إلى لغة مؤسساتية كاملة الحضور، ويصبح فيه تعلمها حقا وواجبا في إطار مشروع وطني جامع، وتحتفظ فيه العربية بمكانتها الثقافية لمن يختار تعلمها واستعمالها، من دون أن تكون شرطا للانتماء أو معيارا للمواطنة.

 ذلك هو الرهان الذي يتعين على اليسار المغربي أن يواجههإذا أراد أن يتجدد فعلا: أن يتحرر من القومجية التي ورثها، وأن ينتقل من الدفاع عن وحدة مصاغة وفق نموذج لغوي واحد إلى الدفاع عن وحدة ديمقراطية تعترف بتعدد المجتمع. أما الإصرار على حماية مركزية العربية من خلال التشكيك في حضور الأمازيغية أو التضييق على الحسانية، فلن يفعل سوى تعميق التناقض بين الخطاب التقدمي ومقتضيات الإنصاف. فالمستقبل لا ينتجه حراس التراتبيات القديمة، المستقبل يصنعه أولئك الذين يملكون الشجاعة لإعادة التفكير في أسسها، وبناء مغرب تكون فيه كرامة المواطن وحقوقه أسبق من كل انتماء لغوي أو إيديولوجي…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.