تلايتماس (Tlaytmas) .. حين يصنع جيل جديد من الشباب دراما أمازيغية مبتكرة بإمكاناتهم الخاصة إبراهيم اشوي

783

قلم :إبراهيم اشوي –

صحفي باحث في الثقافة الامازيغية

 

 

يشهد المجال الترابي لإقليمي بني ملال وأزيلال ميلاد تجربة فنية جديدة مرشحة لأن تشكل محطة مفصلية في مسار الإنتاج السمعي البصري الأمازيغي بالمنطقة. ويتعلق الأمر بالمسلسل الأمازيغي تلايتماس، الذي يعد من بين أولى التجارب الدرامية التي أُنجزت بإمكانيات ذاتية، وبإصرار لافت من طاقم شاب يتزعمهم “الاستاذ والمناضل السينارسيت الكبير الحسين امباركي باخراج دقيق من المبدع والفنان لحسن عتيق وبدعم ومساعدة من الديناموهات عمر اوصالح ومحمد عتيق “آمنوا بضرورة اقتحام مجال الإنتاج الفني رغم محدودية الوسائل وكثرة الإكراهات.

هذه التجربة، التي ولدت من رحم المعاناة، تعلن بشكل غير مباشر بداية مرحلة جديدة في تاريخ الإنتاج الفني المحلي بجهة بني ملال خنيفرة، حيث اختار فريق العمل أن يقدم أوراق اعتماده من خلال مشروع درامي أمازيغي يحمل روح الأطلس وثقافته، ويعكس في الآن ذاته طموح جيل جديد من المبدعين الساعين إلى فرض حضورهم داخل المشهد السمعي البصري الوطني.

ورغم أن المشهد الدرامي الأمازيغي ما يزال إلى حد كبير رهينًا بمساطر طلبات العروض التي تعتمدها القنوات التلفزيونية الرسمية، فإن فريق “تلايتماس” اختار مسارًا مختلفًا. فبعد أن أُغلقت في وجهه عدة أبواب للدعم والمواكبة، لجأ إلى المنصات الرقمية البديلة، حيث تقرر عرض العمل عبر قناة الفنان سعيد الناصيري على منصة YouTube، في خطوة تعكس وعيًا متزايدًا بدور الوسائط الرقمية في كسر احتكار التوزيع التقليدي وفتح المجال أمام الجمهور ليكون الحكم الأول والأخير على قيمة العمل الفني.

ولا تكتسب هذه التجربة أهميتها فقط من كونها صادرة عن أبناء المنطقة، بل أيضًا من حجم الجهد الكبير الذي بُذل في إنجازها. فقد استغرق العمل على المشروع أكثر من أربع سنوات من التحضير والتصوير والعمل المتواصل، وهو ما يعكس إصرار الطاقم على تحويل فكرة بسيطة إلى عمل درامي متكامل، رغم شح الإمكانيات المادية واعتماد الفريق في جزء كبير من المشروع على موارده الشخصية.

ويظهر هذا المجهود في مختلف مستويات العمل، سواء على مستوى الكتابة التي حاولت استلهام عناصر الحكي الأمازيغي والذاكرة الثقافية المحلية، أو على مستوى الإخراج الذي سعى إلى استثمار جماليات المجال الأطلسي وطبيعته الإنسانية والاجتماعية. كما يبرز حضور جيل من الشباب في التشخيص والتمثيل، في محاولة واعية لكسر مركزية الإنتاج الفني التي ظلت لسنوات طويلة متمركزة في فضاءات محددة دون غيرها.

لقد آمن طاقم العمل بأن البكاء على واقع التهميش الفني ليس حلاً، وأن المبادرة تظل السبيل الوحيد لإثبات الوجود. ومن هذا المنطلق، اختاروا تحدي الظروف وإنتاج مسلسل درامي بإمكاناتهم الذاتية، بعد أن أُغلقت أمامهم العديد من القنوات المحلية والجهوية التي كان من الممكن أن تحتضن المشروع أو تدعمه.

وبالرغم من بعض النواقص التقنية التي قد تسجل على العمل، وهي نواقص مفهومة بالنظر إلى طبيعة الإمكانيات المتاحة، فإن تجربة “تلايتماس” تظل تجربة واعدة وغنية بالدلالات. فهي تعكس روح المبادرة لدى جيل من المبدعين الشباب الذين يسعون إلى إعادة الاعتبار للهوية الثقافية الأمازيغية، وتسويق المجال الأطلسي كفضاء قادر على إنتاج أعمال فنية تعبر عن تاريخه وذاكرته الجماعية.

إن هذه التجربة الفتية، بما تحمله من طموح وإصرار، قد تشكل خطوة أولى نحو بناء دينامية فنية جديدة في المنطقة، دينامية تؤكد أن الإبداع لا يولد دائمًا في المراكز الكبرى، بل قد ينبثق من الهامش ليصنع لنفسه مكانة داخل المشهد الثقافي الوطني. ومن هنا، تبدو تجربة “تلايتماس” أكثر من مجرد عمل درامي؛ إنها رسالة مفادها أن الإرادة والالتزام قادران، في كثير من الأحيان، على قلب موازين القوى وفتح آفاق جديدة أمام الإبداع الأمازيغي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.