سيصعب عليك قول الحقيقة إذا كنت تستفيد من الباطل..قلم : عبد الرحمان بوعبدلي

125

قلم : عبد الرحمان بوعبدلي

 

 

في زمن تتشابك فيه المصالح وتتداخل فيه السلطة بالمال والنفوذ، يصبح قول الحقيقة موقفًا مكلفًا لا يقدر عليه الجميع. فالكثير من الناس يدركون حجم الاختلالات والفساد الذي يحيط بهم، لكنهم يختارون الصمت، ليس لأنهم يجهلون الحقيقة، بل لأنهم مستفيدون بشكل مباشر أو غير مباشر من واقع غير سليم. وهنا تبرز القاعدة القاسية: سيصعب عليك قول الحق إذا كنت تستفيد من الباطل.
فالإنسان بطبيعته يميل إلى حماية مصالحه، وعندما ترتبط هذه المصالح بمنظومة فاسدة، يصبح انتقادها تهديدًا شخصيًا له. الموظف الذي يحصل على امتياز غير مستحق، والمسؤول الذي يبرر التجاوزات حفاظًا على منصبه، ورجل الأعمال الذي يربح من الاحتكار، وحتى المواطن الذي يتعايش مع الرشوة باعتبارها “أمرًا عاديًا”، جميعهم يجدون أنفسهم عاجزين عن مواجهة الحقيقة الكاملة، لأن الاعتراف بها قد يعني خسارة الامتيازات أو كشف التناقضات.
الأخطر من ذلك أن الاستفادة من الباطل لا تقتصر دائمًا على المال أو النفوذ، بل قد تكون استفادة معنوية أو اجتماعية. فهناك من يفضل الصمت حفاظًا على علاقاته، أو خوفًا من العزلة، أو رغبة في البقاء داخل دائرة المصالح الآمنة. ومع مرور الوقت، يتحول الصمت إلى تواطؤ، ويتحول التعايش مع الخطأ إلى سلوك اعتيادي يفقد معه المجتمع قدرته على التمييز بين ما هو مقبول وما هو مرفوض.
وفي المقابل، يظل قول الحقيقة فعلًا شجاعًا يتطلب استقلالية أخلاقية وقدرة على التضحية. فالأشخاص الذين يدافعون عن الحق غالبًا ما يدفعون ثمن مواقفهم من راحتهم أو استقرارهم أو حتى من سمعتهم. لذلك، لا يمكن بناء مجتمع عادل ما دام الكثيرون يفضلون حماية مصالحهم على حساب العدالة والشفافية.
إن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس وجود الفساد وحده، بل اعتياد الناس عليه والدفاع عنه بصمتهم أو تبريراتهم. فحين يصبح الباطل مصدر منفعة، تتحول الحقيقة إلى عبء ثقيل، ويصبح الصدق مخاطرة لا يرغب الجميع في تحملها.
ولهذا، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يقرر الإنسان أن يكون وفيًا لقيمه أكثر من وفائه لمصالحه، وأن يدرك أن المكاسب المؤقتة المبنية على الباطل لا يمكن أن تصنع مجتمعًا سليمًا أو مستقبلًا عادلًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.