ٍاكتب حتى أراك ..قلم : عبدالقادر كلول

اكتب حتى أراك بقلم :

1٬312

قلم : عبدالقادر كلول

 

 

ليست الكتابة فعلا عابرا، ولا هي حروفا تزين بياض الورق أو الشاشات. الكتابة التزام، كما الحياة تماما. وكما نحاسب على أفعالنا، يجدر بنا أن نراجع كلماتنا، أن نفتش عن مواضع العطب فيها، ونصلحها قبل أن تصبح عناوين صارخة لعيوبنا الخفية.
بعضهم يكتب كما يعيش؛ بلا تعمق، بلا مراجعة، وبلا اكتراث. يترك الهفوات تتراكم، والزلات تتكرر، كأن القارئ بلا عقل، أو كأن الذوق العام محكوم عليه أن يئن تحت وطأة الزيف والأخطاء واللامبالاة.
التغافل عن تصحيح الأخطاء، في الكتابة كما في الحياة، تهاون معيب واستخفاف فظيع. النصوص المشوهة كالبنايات التي شيدت بلا تصميم، ولا رؤية، ولا أفق؛ لا تدهشك، ولا تحرك فيك ساكنا. ومن يظن أن القارئ لا يرى، فهو أعمى مرتين: عن نفسه أولا، وعن ذكاء الآخرين وقدرتهم على التمييز بين الغث والسمين ثانيا.
ولأكون صريحا، لست هنا لمصادرة حرية أحد في التعبير، وإنما لأعاتب – بلطف – على ضرورة الاعتناء بما نكتب. لا أتكلم بدافع الغضب أو الكراهية، وإنما من منطلق الحب: حب اللغة التي نكتب بها، وحب القارئ الذي نخاطبه، وحب الفكرة التي نمنحها شكلها الأخير في النص.
أحببت فقط أن نكون أنيقين في التعبير، أن نحترم اللغة التي اصطفيناها وعاء لأفكارنا، وأن نحترم المتلقي؛ لأن من لا يراعي قارئه، لا أظنه راعى نفسه منذ بداية الطريق.
وإذا كنا مضطرين للكتابة، أو راغبين في إيصال رسالة، ونحن لا نمتلك ناصية اللغة التي اخترناها، فلنستعن – على الأقل – بالقواميس، أو بأصدقاء مخلصين لا يبخلون علينا بالنصح والتصويب. فليس العيب أن نعبر، بل العيب أن نشوه تعبيرنا بأخطاء فادحة، ثم لا نكلف أنفسنا حتى عناء مراجعتها قبل أن نضعها بين يدي الناس.
الكلمة مسؤولية. وحرية التعبير لا تعفي من واجب الإتقان. وما الحياة إلا كتابة طويلة، تستحق أن نعيد قراءتها ما استطعنا، لنكون فيها أكثر صدقا، وأكثر جمالا.
ولعلي أستعير من سقراط مقولته الشهيرة: “تكلم حتى أراك”، وأحورها قليلا لأقول: “اكتب حتى أراك”.
لأنني أراك في لغتك، في ترتيبك لفكرتك، في احترامك لما تكتب ولمن يقرأ. أراك في عنايتك بالتفاصيل الصغيرة، وفي حرصك على ألا تترك وراءك سطرا ركيكا يشي بالإهمال. ففي نهاية المطاف، كلماتك مرآة تعكس صورتك، فاحرص أن تبدو فيها بكامل أناقتك؛ قلم صادق وتعبير نقي.
والله المستعان.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.