عملية اللحم المفروم: أعظم خدعة في تاريخ الحرب العالمية…قلم :صلاح الدين ياسين

204

قلم :صلاح الدين ياسين
باحث

 

في خضم الحرب العالمية الثانية، وتحديدا في عام 1943، خُدعت ألمانيا النازية خديعة عبقرية، أدت إلى نجاح الحلفاء في غزو صقلية، وغيّرت مجرى الحرب في جنوب أوروبا. كانت تلك الخدعة تعرف باسم “عملية الورقة المزورة” أو “عملية اللحم المفروم” (Operation Mincemeat)، وهي واحدة من أعقد وأذكى حيل الخداع الاستراتيجي التي نفذتها الاستخبارات البريطانية في تاريخها.
أولا: خلفية العملية
في مطلع عام 1943، كان الحلفاء يخططون لغزو جنوب أوروبا بعد أن نجحوا في طرد قوات المحور من شمال إفريقيا. وكانت الوجهة المنطقية التالية هي صقلية، الجزيرة الإيطالية الكبيرة التي تعتبر بوابة الدخول إلى أوروبا. لكن صقلية كانت متوقعة للغاية، لدرجة أن أدولف هتلر نفسه قال إن “أي أحمق يعلم أن صقلية هي الهدف التالي”. وعليه، كان لا بدّ من تضليل الألمان ودفعهم للاعتقاد بأن الحلفاء سيغزون مكانًا آخر، مثل اليونان أو سردينيا، بهدف تخفيف التحصينات الدفاعية في صقلية، ومن ثم مضاعفة حظوظ نجاح الغزو.
ثانيا: التخطيط للعملية
وُلدت الفكرة في ذهن ضابطين بريطانيين هما إيوان مونتاجيو (Ewen Montagu) وتشارلز تشولمونديلي (Charles Cholmondeley)، وكانت مستوحاة جزئيًا من مذكرة وضعها ضابط في البحرية يُدعى إيان فليمنغ (الذي سيشتهر لاحقًا كمؤلف روايات جيمس بوند). اقترحت الفكرة استخدام جثة رجل مجهول الهوية، يتم تلفيق هويته ووضع وثائق مزيفة عليه، ثم يُلقى في مكان يمكن للألمان الوصول إليه، لإقناعهم بأن هدف الغزو ليس صقلية.
وقد تضمنت الخطة العناصر التالية:
– اختيار الجثة: تم العثور على جثة مناسبة لرجل تُوفي نتيجة تسمم بمبيد للفئران. كان اسمه الحقيقي غليندور مايكل، وهو مُشَرَّد من ويلز تُوفي في لندن، لكن اسمه الحقيقي لم يُذكر أبدًا في العملية.
– خلق الهوية المزيفة: أُعطي الرجل هوية مزيفة باسم الميجور ويليام مارتن، ضابط في البحرية الملكية. ولإضفاء المصداقية على هويته، وضعت الاستخبارات في جيوبه عدة أشياء شخصية مثل: تذاكر مسرح، إيصالات بنكية، خطابات غرامية من “خطيبته” الخيالية “بام”، بطاقة عضوية في نادٍ بحري.
– الوثائق المزورة: أُضيفت إلى الجثة وثيقة بالغة الأهمية في حقيبة يد، كانت عبارة عن رسالة سرية موجهة من قائد عسكري بريطاني إلى جنرال في شمال إفريقيا، تشير إلى أن الحلفاء يخططون لغزو اليونان وسردينيا، مع وجود صقلية كـ “خدعة” لتضليل الألمان.
ثالثا: تنفيذ العملية
في صباح يوم 30 أبريل 1943، تم إسقاط الجثة من غواصة بريطانية قبالة سواحل مدينة ويلبا في جنوب إسبانيا، وهي منطقة معروفة بتعاطف بعض مسؤوليها مع الألمان. عُثر على الجثة من قِبل صيادين، وسرعان ما وصلت إلى السلطات الإسبانية، الذين سلموها بدورهم سرًا إلى المخابرات الألمانية.
بعد ذلك، تمكنت الاستخبارات الألمانية من نسخ الوثائق التي كانت بحوزة الجثة، ثم أعادوها وكأنها لم تُمس، ظنًا منهم أن البريطانيين لن يلاحظوا. لكن خبراء الاستخبارات البريطانية لاحظوا بدقة أن الوثائق قد فُتحت، مما أكد أن العملية نجحت في إيصال الرسالة للألمان.
رابعا: خداع هتلر وتغيير مجرى الحرب
وصلت المعلومات المزيفة إلى القيادة الألمانية العليا، وكنتيجة لذلك تم تعزيز الدفاعات الألمانية في البلقان وسردينيا. وفي المقابل، جرى تقليص عدد القوات في صقلية بشكل كبير. وفي 10 يوليو 1943، شن الحلفاء غزوهم لصقلية، ونجحوا بسرعة في السيطرة عليها بعد مقاومة أضعف من المتوقع، مما مهد الطريق لغزو إيطاليا وسقوط نظام موسوليني الحليف لهتلر لاحقًا.
وهكذا، تُعتبر عملية “الورقة المزورة” علامة فارقة في تاريخ الحرب النفسية والخداع الاستراتيجي، إذ أثبتت أن استخدام المعلومات المضللة يمكن أن يكون بنفس فاعلية القنابل والمدافع، بل قد يُنقذ أرواحًا كثيرة دون طلقة واحدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.