ماذا لو تعلمنا كيف نستمع لبعضنا البعض؟ قلم: عبدالقادر كلول
قلم: عبدالقادر كلول
في زمنٍ تتسارع فيه الأصوات وتكثر فيه المنابر، بات الكلام أسهل من الصمت، والجدال أيسر من الإصغاء، حتى صار كل واحدٍ منّا يتسابق ليقول ما عنده، دون أن يمنح أذنه لغيره. غير أن المجتمع لا يُبنى بكثرة الأصوات المتنافرة، بل بقدرة أفراده على الاستماع لبعضهم البعض، والاعتراف بحق الاختلاف، وتحويل الحوار إلى جسر يعبر فوق هوة التنافر وسوء الفهم.
لقد ورثنا مشاكل اجتماعية لا تُحصى، وازداد الصراع بين الأجيال، ليس لأننا مختلفون في جوهرنا، بل لأننا لم نتعلم بعد كيف نصغي بصدق. الجيل الجديد يرى نفسه مُهمشاً في قضايا تخص مستقبله، والجيل الأكبر يعتقد أن التجربة تمنحه وحده حق القول والفصل. وبين الطرفين تضيع لغة الإنصات، فيتحول النقاش إلى صراع أعمى، لا إلى تفاعلٍ بنّاء.
هذا الجيل الذي نراه اليوم في حالة تمرّد، لم يهبط من السماء فجأة، بل هو ثمرة تربيتنا نحن، وغرس أيادينا. ربيناه ليكون أفضل منا، وأنشأناه ليكون متميزاً ونابغاً ومتحرراً، لكننا حين واجهناه بمطالبه وطريقته الخاصة في فهم الحياة، صمَمْنا آذاننا عنه، وانتقدنا أسلوبه بدل أن نحتضنه. سعينا إلى إخماد صوته بدل أن نفسح له مجال التعبير، وكأننا نخشى أن يذكّرنا بأن الزمن تغيّر وأن الحقيقة لا تُختزل في رؤية واحدة.
وقبل أن نلوم الشباب على جرأته الكبيرة وصوته العالي، ألا يحق لنا أن نسائل أنفسنا أولاً؟
هل فشلنا نحن كآباء في الإنصات لهم منذ البدايات؟
هل فشل السياسيون في منحهم منبراً يُترجم آمالهم إلى سياسات واقعية؟
هل فشلت المنظومة التربوية في أن تجعلهم شركاء لا مجرد متلقّين؟
وهل فشل الإعلام في أن يفتح لهم نافذة للتعبير بدل أن يحاصرهم بصورة نمطية تُشوّههم؟
إن أصعب ما يعيشه أي جيل هو أن يُحاكم على تمرّده، دون أن يُعترف بحجم الصمم الذي قوبلت به همساته الأولى.
ولو كانت لدينا فضيلة الإصغاء، لاحتضنّا اختلافه قبل أن يتحول إلى تمرّد، ولما شعر يوماً أن عليه أن يستعمل لغة العنف ليُفرض رأيه أو ينتزع حقه. فالتمرّد في جوهره ليس إلا صرخة استغاثة من جيلٍ لم يجد من يستمع إليه، ولا من يترجم آلامه إلى حلول عملية.
الإنصات ليس ضعفاً ولا ترفاً، بل هو فعل قوةٍ وحكمة؛ أن تسمح للآخر بأن يكشف عن فكره ومشاعره، حتى وإن خالفتك، فتُدرك أن للحقيقة وجوهاً كثيرة، وأنك حين تمنح الآخر مساحة للكلام، فإنك في الوقت ذاته تُعطي نفسك فرصة أوسع للفهم.
الحوار الذي يُبنى على الإصغاء، قادر على دمج المجتمع في مسار واحد، حتى وإن اختلفت الطرق. فليس المطلوب أن نكون نسخاً متشابهة، بل أن نتقبل أن التنوع ثراء، وأن التعدد في الرأي لا يُفسد الوحدة، بل يقويها.
إن ما نراه اليوم من عزلة، وقطيعة، وتراشق بالأفكار والاتهامات، مردّه في الغالب إلى غياب هذه الفضيلة: فضيلة الاستماع. ولو أننا تعلمنا كيف نصغي إلى الآخر بذات القدر الذي نحب أن يُصغى إلينا، لأمكننا أن نُخفف من حدّة أزماتنا، ونبني مجتمعاً متماسكاً، يحترم أبناءه مهما اختلفت آراؤهم واتجاهاتهم.
فلنجعل من الإصغاء بداية لكل حوار، ومن الحوار جسراً لتواصل العقول وتلاقي القلوب، فبالحوار تبنى الثقة، وتتقارب الرؤى، وتتسع آفاق الفهم بين الأجيال. ولنؤمن أن اختلافنا لا يعني تباعدنا، بل هو تنوّع يُغني مسيرتنا المشتركة. فكما تتماسك أحجار السد لتمنع الانهيار، نحن أبناء هذا الوطن، كلٌّ منا له دور، وكل دور مكمل للآخر، ولا يكتمل البناء إلا بتكاملنا. لنسِر معاً بخطى متوازية، نحو مستقبل يصنعه الجميع، ويليق بالجميع.