حين تُغلق الأجساد وتبقى الأمكنة…قلم : عبد الجليل ابو الزهور
قلم : عبد الجليل ابو الزهور
فصل
حين تُغلق الأجساد وتبقى الأمكنة
لم تمت المغارة يوم مات محمد.
الجسد وحده هو الذي غادر.
أمّا تيفريت فبقيت مفتوحة، كما لو أنّها كانت تنتظر هذا الفراغ تحديدًا.
في الأيام الأولى، ظلّ الداخلون إليها يتصرّفون كأنّه سيعود بعد قليل.
الحشّاش الذي خبّأ بضاعته خلف الصخرة الملساء،
الراعي الذي كان يمرّ ويترك كسرة خبز،
حتى الفئران… توقّفت عن الاقتراب أيامًا، ثم عادت بحذر، تبحث عن الرائحة القديمة.
الرائحة كانت هناك.
مزيج رطوبة، دخان، جلد متعب، وشيء يشبه الحنين.
الحنين له رائحة، لكنه لا يُرى.
كان الصمت أثقل من محمد نفسه.
الصمت الذي تخلّفه الأجساد حين تُنتزع فجأة من مكان اعتادت أن تفسده وتُنقذه في آن واحد.
المدينة، من جهتها، لم تعلن حدادًا.
لم تكن المدينة تعرف كيف تفعل ذلك.
قالت المقاهي: كان مجنونًا.
قالت الدكاكين: كان طيبًا، لم يؤذ أحدًا.
قالت الإدارة: ملف أُغلق.
وقال الوادي، كعادته، لا شيء.
نسرين: حين يصل الخبر متأخرًا
لم تعرف نسرين بموت محمد فورًا.
الأخبار تصلها دائمًا باردة، فاقدة للملامح، كأنّها تخصّ شخصًا آخر.
حين أخبروها، كانت تجلس قرب النافذة، تعدّ المال دون أن تنظر إليه.
رفعت رأسها، لم تسأل: كيف؟
سألت فقط:
— فين دفنوه؟
وحين قيل لها: فبرشيد… مات تما.
أعادت نظرها إلى المال.
داخلها، مرّ طيف سريع:
رجل بزيّ عسكري،
ضحكة قصيرة،
حركة يد وهو يملأ سبسيه.
قالت في سرّها، بلا حزن ولا شماتة:
حتى هذا… لم ينجُ.
نسرين لم تبكِ محمد.
هي لا تبكي الرجال.
لكنها تلك الليلة شربت أكثر من المعتاد،
لا لأنّها حزنت،
بل لأنّ الفراغ اتّسع قليلًا، وكان عليها أن تملأه.
الابنة: سؤال بلا جواب
في بيت بعيد، كانت فتاة في مقتبل العمر تُحدّق في دفترها المدرسي.
اسم الأب كان خانة فارغة.
لم يُكتب يومًا.
قالت لأمّها ذات مساء:
— واش كان عندي بابا؟
لم تُجب نسرين فورًا.
أشعلت سيجارة، نفثت دخانها ببطء، ثم قالت:
— كان… ولكن الدنيا خداتو.
لم يكن هذا كذبًا.
كان اختصارًا قاسيًا للحقيقة.
الابنة لم تفهم، لكنها تعلّمت شيئًا مهمًا:
أن بعض الأسئلة لا يجب أن تُسأل كثيرًا،
وأن الغياب يمكن أن يكون وراثيًا.
المدينة: ذاكرة قصيرة
مرّت أيام، ثم أسابيع.
عاد كل شيء إلى مكانه تقريبًا.
مقهى أغلال ظلّ كما هو،
الوجوه نفسها،
السباسي نفسها،
النقاشات نفسها.
لكن مقعد محمد قبالة التلفاز بقي فارغًا.
أحيانًا، كان أحدهم ينظر إليه،
ثم يُشيح بوجهه سريعًا،
كأنّه خاف أن يرى شبحًا.
قال أحدهم ذات يوم:
— الله يرحمو… كان كيحرك راسو بزاف.
ضحكوا.
ثم صمتوا.
ثم عادوا للتدخين.
المدينة لا تحتفظ طويلًا بأبنائها الساقطين.
تتركهم عند الحافة، ثم تواصل السير.
تيفريت: الذاكرة التي لا تنام
في الليل، كانت المغارة تُصدر أصواتًا.
ليس حيوانًا،
ولا ريحًا فقط.
كانت الأصوات خليطًا:
احتكاك كرتون،
صدى سعال،
خشخشة ألبوم صور يُفتح ثم يُغلق.
لو اقترب أحدهم بما يكفي،
لرأى أن الطاولة الخشبية ما تزال في مكانها،
وأن الألبوم لم يُنقل.
الصورة الأولى: محمد بزيّه العسكري، مستقيم الظهر،
الصورة الأخيرة: مع زوجته، ابتسامة لم تكتمل.
المغارة لم تكن مأوى.
كانت أرشيفًا.
ذاكرةً حيّة لرجل سقط من التاريخ الرسمي
واستقرّ في الهامش.
في تيفريت،
لم يكن محمد مجنونًا،
ولا متشرّدًا،
ولا ملفًا طبيًا.
كان شاهدًا.
والأماكن، حين تشهد، لا تموت.