حين يصبح الزمن خصماً للعدالة ملف جماعة تيديلي فطواكة وسؤال المحاسبة المؤجَّل

864

أزيلال 24 : عبد الجليل ابو الزهور  

 

 

ليست العدالة فقط ما يُقال في الأحكام،
بل ما يُفهم أيضاً من الصمت الطويل الذي يسبقها.
وحين يطول هذا الصمت، ويتكرر التأجيل، ويتراكم الانتظار، لا يعود الزمن محايداً، بل يتحول إلى عنصر فاعل في المعادلة.
ملف جماعة تيديلي فطواكة، عدد 1585/2623/2025، المسجل بتاريخ 22 يوليوز 2025، المعروض على غرفة الجنايات الابتدائية المختصة في الجرائم المالية، دخل الذاكرة العمومية من باب التأجيل، لا من باب الحسم؛ ومن زاوية الإجراء، لا من زاوية الجوهر.
سبعة تأجيلات متتالية.
سبع جلسات بلا مناقشة موضوعية.
وسلسلة قرارات تكتفي بإعادة الاستدعاء، وإشعار هذا الطرف أو ذاك، وكأن الملف يدور في حلقة مغلقة، لا تكسرها إلا مواعيد جديدة للانتظار.
توصيف واقع… لا محاكمة نوايا
من الضروري القول بوضوح:
هذا المقال لا يُحاكم القضاء، ولا يشكك في استقلاله، ولا ينسب نوايا أو خلفيات لأي جهة.
إنه يقرأ واقعاً مثبتاً في السجل القضائي نفسه، ويطرح أسئلة مشروعة حول أثر الزمن الإجرائي على معنى المحاسبة.
فالملف، إلى حدود اليوم:
لم يدخل بعدُ مرحلة مناقشة الوقائع
لم تُعرض فيه عناصر الاتهام أو الدفاع بشكل فعلي
ولم تُختبر فيه مسؤوليات التدبير المرتبطة بالمال العام
وهذا، في حد ذاته، معطى يستحق النقاش العمومي.
الدستور لا يتحدث بلغة الاحتمال
الفصل 120 من دستور المملكة لم يستعمل عبارات مرنة أو فضفاضة، بل قرر مبدأً صريحاً:
«الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول.»
والأجل المعقول ليس مفهوماً مطاطياً يُفرغ من مضمونه بالتكرار، بل التزام دستوري يزداد وزنه كلما تعلق الأمر بملفات الجرائم المالية، حيث يكون الزمن جزءاً من العدالة نفسها.
أما الفصل 1 من الدستور، الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة، فلا يمكن قراءته بمعزل عن سرعة ونجاعة تفعيل هذه المحاسبة، لأن المسؤولية المؤجلة تُخاطر بأن تصبح مسؤولية بلا أثر.
حين تربك الجماعة المسطرة
التكرار اللافت لعبارة: «يعاد للجماعة في شخص من يجب»
لا يمكن اعتباره مجرد تفصيل شكلي.
فالقوانين التنظيمية للجماعات الترابية واضحة في تحديد أجهزة التمثيل والمسؤولية.
وأي ارتباك أو تأخر في هذا المستوى لا يبقى شأناً داخلياً، بل ينعكس مباشرة على مسار ملف ذي طبيعة جنائية مالية، ويُحمّل المسطرة أكثر مما تحتمل.
هنا لا يُطرح سؤال الإدانة، بل سؤال الجاهزية المؤسساتية.
الإجراءات المشروعة… وحدود نجاعتها
إشعار الوكيل القضائي للجماعات الترابية إجراء مشروع، ومؤطر قانوناً.
غير أن المشروعية لا تعني الإطلاق،
والقانون نفسه يمنح المحكمة سلطة تقدير التوازن بين:
حقوق الدفاع
وحماية الزمن القضائي من الاستنزاف
فالاجتهاد القضائي المغربي مستقر على أن المسطرة وسيلة لتحقيق العدالة، لا غاية في ذاتها.
في قضايا المال العام، لا يُقاس النجاح بعدد الجلسات، بل بقدرة المؤسسات على الانتقال من إدارة الملف إلى مواجهة جوهره.
كل تأجيل إضافي، حتى وإن كان قانونياً في شكله، يُثقل رمزية الملف، ويغذي الإحساس بأن المحاسبة تسير ببطء لا ينسجم مع خطورة الوقائع ولا مع انتظارات المواطنين.
ودمنات الرسالة، وهي تتابع هذا المسار، لا تطلب تسريعاً اعتباطياً، ولا اختزالاً لضمانات المحاكمة العادلة،
بل تطلب شيئاً واحداً:
أن يستعيد الزمن القضائي وظيفته الطبيعية،
وأن يعود الملف إلى مكانه الصحيح: فضاء الحسم، لا ممر الانتظار.
العدالة التي تُؤجَّل كثيراً، تُختبر كثيراً.
والملفات المرتبطة بالمال العام لا تحتمل التآكل الزمني، لأن كل يوم انتظار إضافي هو عبء رمزي على الثقة العامة.
ملف جماعة تيديلي فطواكة، اليوم، ليس مجرد مسار قضائي مفتوح،
بل مرآة دقيقة لعلاقة المؤسسات بالمساءلة،
وامتحان صامت لقدرتها على جعل الدستور ممارسة، لا شعاراً.
والامتحانات، بطبيعتها، لا تُحلّ بالتأجيل.
تعليق 1
  1. ذ. نور الدين س يقول

    السلام عليكم سيدى عبد الجليل ابو الزهور ، قرأت مقالتك وتبين لي انك لم تتطلع عن الملف ، بل كتبت ما سمعت دون الولوج الى جديد المعطيا ووالمرحلة التى توقف فيها الملف / كان عليك ان تبحث قبل ان تكتب تفاديا لأي غلط تقع فيه .
    واقترح ن لا تستند الى فقرات القانون في المقال ،فالقانون يطبقه القضاة وهم ادري به فلماذا يا ترى تستدل به ؟
    والسلام *

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.