فشل الأخلاق قبل فشل الكرة: قراءة في المشاركة الجزائرية بكأس إفريقيا بالمغرب ✍️عبدالقادر كلول
قلم ـ :عبدالقادر كلول
يمكن الجزم، وبكل ثقة، أن الجزائر لن تتقدم خطوة حقيقية نحو المستقبل، ولو حازت كل كنوز الدنيا المادية، ما دامت قد أهملت الكنز الأثمن: تنمية الإنسان أخلاقياً قبل كل شيء. فالتنمية ليست طرقاً ومصانع فقط، بل هي منظومة قيم، وسلوك عام، ووعي جماعي يُبنى على الصدق واحترام الآخر والانفتاح على التجارب الناجحة.
ما كشفته مشاركة المنتخب الجزائري لكرة القدم في كأس إفريقيا للأمم التي احتضنها المغرب، لا يمكن اختزاله في فشل رياضي أو إخفاق كروي عابر. الأمر أعمق من خسارة مباراة أو خروج مبكر؛ إنه فشل أخلاقي وسلوكي تناقلته شاشات العالم، وفضح أزمة بنيوية في الخطاب الرسمي الذي يصوغ وعي المواطن الجزائري منذ عقود.
لقد بنى النظام الجزائري سرديته السياسية والإعلامية على ثنائية مَرَضية: مؤامرة دائمة وعداء خارجي مستمر. وبهذه السردية، حُرّفت قاطرة التقدم عن سكتها الطبيعية، واستُخدمت كل الأدوات الممكنة — من إعلام موجَّه، وتعليم مُفرَّغ من القيم النقدية، وبروباغندا ممنهجة — لصناعة مواطن لا يرى العالم إلا من ثقب الكراهية والخوف.
وحين حطّت جحافل المشجعين الجزائريين الرحال بالمملكة المغربية، جاءت وهي محمَّلة بتراكمات ذهنية زرعها العسكر بعناية: صورة بلد معادٍ، وشعب غير مرحِّب، وتنظيم هشّ. لكن الواقع، في كثير من الحالات، صدم تلك الصور الجاهزة؛ فالمغاربة فتحوا بيوتهم وقلوبهم، والتنظيم شهد له القريب والبعيد، والأجواء عكست روح العرس الإفريقي الحقيقي.
عند هذه اللحظة بالذات، كان من الممكن أن تبدأ المراجعة، وأن يُفسح المجال لوعي جديد يرى في الاحتكاك بالآخر فرصة للتعلّم لا سبباً للعداء. غير أن إعلام النظام العسكري لم يتحمّل خطر هذا التحوّل، فانطلق سريعاً في إعادة إنتاج الكراهية، مستخدماً أساليبه المعهودة: التخوين، التهديد أحياناً، والتضليل المتعمّد أحياناً أخرى، لإعادة تشكيل وعي من بدأوا يكتشفون زيف الرواية الرسمية.
لقد سعى هذا الإعلام إلى استرجاع “المواطن النموذجي” في قاموس السلطة: مواطن مريض بحب النظام، يبرّر أخطاءه، ويصفّق لفشله، ويعادي كل نجاح خارج حدوده. وبدلاً من أن تستفيد الجزائر من فرصة نادرة للاحتكاك بتجربة تنظيمية وإنسانية ناجحة، جرى نسف هذه الفرصة عمداً، عبر خطاب عدائي، وتسخير الجماهير لتعكير أجواء الاحتفال، والإساءة إلى صورة بلد كان من المفترض أن يكون شقيقاً وجاراً.
وفي جوهر هذه المأساة، يقف نظامٌ متحجِّر لا يملك من أدوات البقاء سوى إعادة إنتاج الفشل في كل مرة، وتدوير الأخطاء نفسها بأسماء وشعارات مختلفة. نظامٌ لا يتعلّم من عثراته، لأنه ببساطة لا يعترف بها. والمفارقة المؤلمة أن ضحاياه الأُوَل ليسوا خصومه ولا منتقديه، بل أولئك الذين يطبلون لسياساته، ويغضّون الطرف عن زلّاته، ويبرّرون إخفاقاته باسم الوطنية الزائفة.
هؤلاء، إلى جانب فئة واسعة من المقهورين الصامتين، يعيشون تحت وطأة الخوف الدائم؛ خوفٌ من سلطة لا تتسامح مع النقد، ولا تغفر لمن تنبست شِفاههم بكلمة حق أو تساؤل مشروع. فصار الصمت فضيلة مفروضة، والنفاق سلوكاً وقائياً، وتحولت الدولة إلى آلة تُعاقب التفكير الحر وتكافئ الطاعة العمياء.
وفي ظل هذا المناخ الخانق، لا يمكن الحديث عن نهضة حقيقية أو تقدم فعلي، لأن الشعوب لا تُبنى بالقمع، ولا تُقاد بالدعاية، ولا تنهض بالخوف. فكل نظام يعادي النقد، ويجرّم الاختلاف، ويحاصر الوعي، محكوم عليه بأن يظل ضعيفا ومتخلفا، مهما ادّعى القوة، ومهما راكم من الثروات.