الرعاية الصحية و هيمنهة القطاع الليبيرالي

83

أزيلال 24  :نجيب الخريشي

 

 

 

من يتحكم في المنظومة الصحية، سلطة المؤسسات أم المصالح الاقتصادية؟
رغم تعدد المؤسسات المكلفة بالمراقبة و التقييم و التقنين ما زال المواطن يتساءل عن أسباب استمرار تصاعد تكلفة العلاجات و الادوية و عن سر الفجوة بين الخطاب الرسمي حول الحق في الصحة و الواقع الذي يتخبط فيه المرضى .
إذا كانت المؤسسات العمومية و الدستورية تصدر القوانين و التقارير و التوصيات، فإن السوق الصحية تتحرك أيضاً تحت تأثير فاعلين اقتصاديين كبار من ( شركات الأدوية، مستوردي التجهيزات الطبية، شركات للتأمين الصحي الربحي، الى ارباب المصحات الخاصة). هؤلاء جميعهم يدافعون، بشكل مشروع، عن مصالحهم الاقتصادية و البحث عن المزيد من الارباح، لكن الإشكال يطرح عندما تصبح المصالح الاقتصادية أقوى من الأمن الصحي بالوطن.
فعندما يظل ثمن بعض الأدوية مرتفعا و تستمر الفوارق الكبيرة في أسعار الخدمات الطبية، و يتحمل المرضى جزءا مهما من نفقات العلاج من جيبه الخاص رغم إجبارية التأمين عن المرض، يحق للمجتمع أن يتساءل:
 هل تمتلك المؤسسات التنظيمية ما يكفي من المسؤولية الأخلاقية و الاستقلالية و الجرأة لفرض التوازن بين حق المواطنين في العلاج و حق منتجي العلاجات في الربح؟، كما دعى لذلك صاحب الجلالة في رسالته الموجهة للمناظرة الوطنية الثانية للصحة بمراكش سنة 2013 يعهوهم فيها ” لايجاد حل الاشكاليات الحق في الصحة”.
إن وجود هيئات للرقابة و الحكامة لا يكتسب معناه الحقيقي إلا إذا انعكس على الأسعار وجودة الخدمات و عدالة الوصول للعلاج.
 فعلى الرغم من التقارير التي تصدرها الهيئات عن تدبير القطاع و تحذر من الاختلالات لكنها تبقى بدون اتخاد إجراءات عملية الوصول للرعاية الصحية الشاملة التي دعى اليها صاحب الجلالة اكثر من مرة.
فالانطباع السائد وسط المواطنين امام ما يعيشه المرضى اثناء البحث عن العلاج هو أن مراكز التأثير الاقتصادي و لوبيات العلاج ما زالت أقوى من آليات التقنين و المراقبة و سلطة القرار. فهذا الكلام لا يعادي الاستثمار بالقطاع الصحي أو صناعة الدوائية، فهي قطاعات ضرورية لتطوير العلاج و الحفاظ على سلامة المواطنين و كرامتهم، لكن حينما يتعلق الأمر بضمان الحق في الصحية و التوازن العادل بين الربح المشروع و الحق الدستوري في الوصول للعلاج العادل و الجيد بلا شروط التسبيق و الشيك، تصبح الصحة خاضعة لمنطق السوق كانها سلعة كغيرها من السلع.
و يبقى السؤال الذي ينتظر المواطنين عليه جوابا عمليا:
 إذا كانت بلادنا تتوفر على كل هذه المؤسسات والهيئات، فلماذا لا ينعكس ذلك بشكل أوضح على أسعار الدواء و على تكاليف العلاج و على جودة الرعاية الصحية و عدالتها؟.
 إن الجواب الحقيقي لا يوجد في عدد المؤسسات و الهيئات المتدخلة، بل في مدى قدرتها على حماية مصالح المرضى عندما تتعارض مع المصالح الاقتصادية لمنتجي العلاجات و الأدوية، جواب قادر على ايجاد دواء لكل سرير لكل مريض و موعد للعلاج في آجال مقبولة، و رعاية صحية تحفظ كرامته و اثمنة تخفف من ثقل فواتير العلاج التي تخنق الاسر و كبار السن، فالواقع يظهر لمسه المرضى و كل المواطنين بالصيدلية و المشفى و باثمنة مختلف مرافق العلاج التي لا تحترم بعضها التعريفة المرجعية كما تظهر قسوتها في الأدوية غير القابلة للتعويض
يبقي تركيزنا بالصفحة على اعلاء المصلحة العامة أولها الحق في الصحة و ثانيها جودتها و التي لن يستقيم شانهما بدون تدخل مؤسسات للرقابة و التقنين و التقييم في احترام تام لأخلاقيات مهنة الطب.
على من تقع مسؤول استمرار ارتفاع كلفة العلاج و الأدوية ؟.
و من يملك ترياق ضمان الحق في الصحة؟.
ان المواطن لا يناقش هندسة المؤسسات و الاستثمارات المبتكرة  بالقطاع الصحي، بل ينظر إلى فاتورة الدواء، وإلى مدة انتظار الموعد الطبي، وإلى ما يؤديه من جيبه عند المرض رغم وجود صندوق وطني للتأمين الصحي عن المرض.
أتمنى أن تجد المقالة اذان صاغية، لأن الحق في الصحة لا يكتمل بإعلان المبادئ او بوجود مؤسسات، بل بتحقيق نتائج ملموسة على صحة و جيوب المرضى.
 منخرط بالتعاضدية العامة MGPAP
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.