الفضاء العمومي بين القانون والأخلاق: لماذا تتفاقم مظاهر الجشع والفوضى والسلوكات غير الحضارية في شواطئنا وأرصفة مدننا الساحلية ؟

51

قلم :  حسن تزوضي

 

حينما يحل الصيف تتجدد المشاهد الدرامية المألوفة في عدد من المدن الساحلية المغربية، حيث تتحول الشواطئ إلى فضاءات محتلة ومحجوزة لفائدة أشخاص، ومواقف السيارات بدورها تصير مصدرا للابتزاز، فيما تتراكم النفايات وتتعالى مظاهر الفوضى والسلوكات غير الأخلاقية وغير الحضارية. وما يثير الانتباه ليس وجود هذه الممارسات في حد ذاتها، فمعظم المجتمعات قد تعرف أشكالاً من الانحراف، وإنما المعضلة تكمن في أن هذه السلوكات والممارسات اصبحت اعتيادية ومألوفة إلى الحد الذي يجعلها تبدو وكأنها قانونية، أو كجزء من النظام الطبيعي للحياة الصيفية.
إن هذه الظواهر وهذه الممارسات لا يمكن اختزالها في سوء سلوك بعض الأفراد، بل تعكس أزمة أعمق تمس علاقة المواطن بالفضاء العمومي، بالقانون وبالدولة، وبقيم المواطنة والعيش المشترك. إنها ممارسات وسلوكات تكشف عن اختلال في التوازن بين الحق والواجب، وبين الحرية والمسؤولية، وبين السلطة الشرعية للقانون ومنطق فرض الأمر الواقع.
لقد أصبح الفضاء العمومي في الفكر السياسي المعاصر أكثر من مجرد مكان مادي فيزيائي فهو -كما بلور ذلك الفيلسوف يورغن هابرماس- المجال الذي تتشكل داخله الحياة المدنية، وتُمارس فيه المواطنة، ويتحقق عبره الاعتراف المتبادل بين المواطنين باعتبارهم متساوين في الحقوق والواجبات. فالشارع العام والحديقة العمومية، والشاطئ والرصيف ليست مجرد فضاءات تدخل في تشكيل عمران المدينة وتهيئتها، بل هي التعبير المادي عن فكرة المصلحة العامة والعيش المشترك، وعن وجود مجتمع سياسي يتقاسم أفراده مجالاً مشتركاً تحكمه قواعد واحدة. ومن هذا المنطلق، فإن الاعتداء على الفضاء العمومي يمثل اعتداءً على مبدأ المساواة وخرق ملموس لقواعد العيش المشترك. فعندما يستطيع شخص أو شركة أو جماعة أن تستحوذ على جزء من الملك العام، أو أن تمنع المواطنين من الانتفاع به إلا مقابل أداء مادي، فإن المجال العمومي يفقد وظيفته الأصلية، ويتحول من فضاء للحقوق إلى فضاء للامتيازات، ومن مجال للمواطنة إلى مجال للريع.
ويفرض هذا الواقع سؤالاً جوهرياً: هل ينبغي أن تتحول الفضاءات العمومية إلى مجال للاستغلال التجاري والربح؟
إن الجواب من منظور فلسفة الحق، يقتضي التمييز بين استغلال بعض الخدمات المرتبطة بالمجال العام وبين تحويل الفضاء العمومي نفسه إلى سلعة، فالحدائق العمومية والشواطئ والأرصفة، ومواقف السيارات الموجودة داخل الملك العام، ليست مشاريع استثمارية في أصلها، وإنما هي أملاك جماعية وجدت لضمان حق جميع المواطنين دون تمييز. لذلك فإن الأصل في هذه الفضاءات هو المجانية، لأن المجانية ليست امتيازاً تمنحه الإدارة، بل هي تجسيد عملي لمبدأ المواطنة والمساواة في الانتفاع بالملك العام.
إن الاتجاه نحو تفويت استغلال هذه الفضاءات إلى شركات أو أشخاص، أو تحويلها إلى مورد مالي دائم، يحمل في طياته خطراً يتمثل في تسليع الحق في الفضاء العمومي، فالمواطن لا ينبغي أن يتحول إلى زبون داخل فضاء هو شريك في ملكيته، فالاستمتاع بالشاطئ أو الجلوس في الحديقة أو استعمال موقف عموم لايجب أن يكون رهيناً بالقدرة على الأداء، فالحق في المدينة، كما تؤكد الأدبيات الفكرية المعاصرة، هو حق في الولوج العادل إلى الفضاءات المشتركة، وعنوان المواطنة داخل الدولة.
إن التأكيد على مجانية الفضاءات العمومية لايعني تجاهل الصعوبات المالية التي قد تواجهها الجماعات الترابية التي تدبر شؤون المدن، وإنما هي دعوة صريحة إلى ضرورة البحث عن بدائل للموارد المالية أكثر عدالة واستدامة، فالمجالس الجماعية مطالبة بتنويع مواردها عبر تحسين الحكامة المالية، وتطوير الاستثمار المحلي، ومحاربة التهرب الجبائي، وتثمين المؤهلات الاقتصادية والسياحية، بدل اللجوء إلى تسليع الملك العام أو فتح الباب أمام أشكال مختلفة من الريع. فتمويل الجماعة ينبغي ألا يكون على حساب أحد الحقوق الأساسية للمواطن، وهو حقه في التمتع الحر والمتساوي بالفضاء العمومي.
غير أن أزمة الفضاء العمومي لا ترتبط فقط بمنطق الاستغلال، وإنما أيضاً بضعف إنفاذ القانون، فوجود ترسانة قانونية متقدمة لا يكفي إذا لم تقترن بتطبيق حازم وعادل. فقيمة القانون لا تقاس بعدد النصوص، وإنما بقدرته على تنظيم الواقع، فعندما يلاحظ المواطن أن احتلال الشواطئ، أو ابتزاز مستعملي مواقف السيارات، أو احتلال الأرصفة، أو رمي النفايات، تمر دون مساءلة حقيقية، فإن القانون يفقد تدريجياً سلطته الرمزية، وتضعف هيبة الدولة، ويتحول احترام القانون إلى خيار شخصي، لا إلى التزام جماعي.
ولذلك فإن ضعف المراقبة لا ينتج فقط مخالفات متفرقة، بل يخلق ثقافة عامة قوامها أن مخالفة القانون أقل كلفة من احترامه. وهنا يصبح الفضاء العمومي مجالاً تحكمه موازين القوة أكثر مما تحكمه قواعد العدالة، ويحل منطق الأمر الواقع محل منطق الحق.
إن إنفاذ القانون مسؤولية الدولة، وعلى المواطنين احترام القانون وتحمل المسؤولية، فالمواطنة ليست مجرد المطالبة بالحقوق، بل هي أيضاً تحمل للواجبات، فلا يمكن المطالبة بشاطئ نظيف مع الإسهام في تلويثه، ولا المطالبة بحماية الملك العام مع القبول باحتلاله، ولا المطالبة بتطبيق القانون مع التحايل عليه كلما تعارض مع المصلحة الفردية.
لقد أدرك جان جاك روسو وهو من كبار فلاسفة الأنوار، أن المجتمع لا يستقيم إلا عندما يخضع الجميع للإرادة العامة التي يجسدها القانون، بينما اعتبر إميل دوركايم عالم الاجتماع المعروف، أن تراجع سلطة القيم المشتركة يقود إلى حالة من “الأنومي”، حيث تتفكك الضوابط الاجتماعية وتصبح المصلحة الفردية هي المرجع الوحيد للسلوك. ولعل ما نعاينه في بعض فضاءاتنا العمومية خلال الصيف يعكس جانباً من هذه الأزمة؛ إذ تغيب أخلاقيات المسؤولية، ويتراجع الإحساس بأن الملك العام هو ملك شخصي لكل مواطن بقدر ما هو ملك للجميع.
فالعيش المشترك ليس مجرد تقاسم للمكان، بل هو التزام أخلاقي يقوم على الاعتراف بحقوق الآخرين، واحترام النظام العام، والمحافظة على الممتلكات المشتركة. إن الحرية التي لا تضبطها المسؤولية تتحول إلى فوضى، والحق الذي لا يقابله واجب يتحول إلى امتياز، والمواطنة التي تنفصل عن الأخلاق المدنية تصبح مجرد صفة قانونية فارغة من مضمونها.
ولذلك، فإن بناء ثقافة احترام الفضاء العمومي يبدأ من التربية قبل العقوبة، ومن الأسرة قبل الإدارة، ومن المدرسة قبل المحكمة. فالتنشئة على احترام القانون، والمحافظة على الملك العام، والوعي بأن الشارع والشاطئ والحديقة ملك للجميع، تشكل الأساس الحقيقي لمواطنة مسؤولة. غير أن التربية وحدها لا تكفي، كما أن الزجر وحده لا يكفي. فالمجتمعات المتحضرة لا تقوم على التخويف من العقوبة فقط، ولا على حسن النوايا وحده، وإنما على التفاعل بين وعي المواطن وفعالية المؤسسات.
إن حماية الفضاء العمومي ليست معركة موسمية تخاض مع بداية كل صيف، بل هي مشروع حضاري يعكس طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالمدن لا تُقاس فقط بجمال كورنيشاتها أو اتساع شواطئها أو حدائقها، وإنما بقدرتها على جعل هذه الفضاءات مفتوحة ومجانية، آمنة ونظيفة، ومتاحة لجميع المواطنين دون احتكار أو ابتزاز أو تمييز.
إن السؤال الحقيقي ليس لماذا تنتشر الفوضى في الصيف، بل لماذا يصبح القانون أقل حضوراً كلما ازدادت الحاجة إليه؟ ولماذا تتراجع الأخلاق المدنية كلما اتسع استعمال الفضاء العمومي؟ إن الجواب يكشف أن أزمة الشواطئ والأرصفة ليست أزمة تدبير موسمي، بل هي أزمة ثقافة مدنية، وأزمة ثقة في القانون، وأزمة حكامة في تدبير الملك العام. وحين تنجح الدولة في فرض سيادة القانون، وتنجح المدرسة والأسرة والإعلام في ترسيخ قيم المواطنة، وتلتزم الجماعات الترابية بحماية مجانية الفضاءات المشتركة والبحث عن موارد بديلة بعيداً عن تسليعها، عندها فقط يمكن أن يستعيد الفضاء العمومي معناه الحقيقي بوصفه فضاءً للحرية المنظمة، وللمساواة، وللعيش المشترك.
فليس تحضر الأمم بعدد شواطئها وحدائقها، ولا بضخامة بنياتها التحتية، وإنما بقدرتها على أن تجعل هذه الفضاءات ملكاً مشتركاً يحتمي بالقانون، ويتأسس على الأخلاق، ويشعر كل مواطن، وهو يجلس على رمال شاطئ أو يسير فوق رصيف أو يستظل بشجرة في حديقة، أنه يمارس حقاً أصيلاً في وطن يتسع للجميع.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.