قراءة تحليلية في رواية “عودة تشارلز” ..قلم : أحمد لعيوني

70

قلم : أحمد لعيوني

يفتح عنوان “عودة تشارلز” في رواية عبد الكريم عباسي بابا واسعا للتأويل. يوهم العنوان القارئ، في الوهلة الأولى، بحضور شخصية روائية تحمل اسم تشارلز. يتكشف النص، تدريجيا، عن إحالة العنوان إلى العالم البريطاني تشارلز داروين، صاحب كتاب “أصل الأنواع”. يحضر داروين، فعليا، شخصية فاعلة في الفضاء الحلمي الذي يعيشه البطل رامبو، ويتحول من مرجع علمي محايد إلى محاور فكري يقترح على البطل صحبته في رحلة على متن سفينة “البيجل”. يحمل هذا الالتباس المقصود بين العودة الفيزيقية والعودة الرمزية سؤالا جوهريا يشتغل عليه النص بكامله: أين يبدأ الإنسان، وأين ينتهي الحيوان؟

تنبني الرواية على تقسيم ثلاثي محكم، يضم تسعة عشر مقطعا. يتكفل الفصل الأول، بمقاطعه الثمانية، بالتأسيس المكاني والتعريف بالشخصيتين المركزيتين. يحمل الفصل الثاني، من المقطع التاسع إلى الرابع عشر، تكثيفا للمفارقة الفكرية بين النشاط غير المشروع وقراءة كتاب داروين. يشهد الفصل الثالث، من المقطع الخامس عشر إلى التاسع عشر، انفجارا سرديا عبر بوابة الحلم، وتنتقل الحكاية معه من الواقعية الاجتماعية إلى المغامرة الاستيهامية على متن سفينة البيجل.

تقوم الشخصيتان المركزيتان في الرواية على مبدأ الازدواج الهوياتي. يخفي رامبو، الاسم المستعار، هوية حسن الحقيقية، ويجسد نموذج المثقف المهزوم، الذي حوّلته المؤامرة السياسية والتخدير القسري من قائد فريق طلابي تقدمي إلى منبوذ في مستشفى الحماق، ثم زج به مقيدا بجوار ضريح، وبعد تعافيه، تحول إلى ناسك في مغارة جبلية. يمثل حمان، في المقابل، نموذج الفقر البنيوي المتوارث: طفولة بلا مدرسة، وشباب في السجن، وكهولة موزعة بين التهريب الصغير والصيد غير المشروع، سعيا لإعالة أسرة كبيرة.

يلتقي الرجلان في نقطة تقاطع دالة: يمارس كلاهما التخفي وسيلة للبقاء، ويقع كلاهما ضحية نسق أكبر منه، سياسي عند رامبو، اقتصادي- اجتماعي عند حمان، يدفعهما للعيش على هامش الغابة كما يعيشان على هامش المجتمع. يكشف الاسمان المستعاران، رامبو وحمان، عن قناعين يعلوان اسمين حقيقيين، ويوازيان، القناع البيولوجي الذي توفره الطبيعة للكائنات، كي تتوارى عن الخطر.

تشكل حادثة تخدير حسن، على يد رفيقته سارة، وبإيعاز من فريق طلابي مناوئ، لحظة تأسيسية للمأساة الشخصية التي تحدد مسار الشخصية بأكملها. تحيل هذه الحادثة إلى راهنية سياسية أعمق: يزيل الخصم صاحب الأطروحة من المعادلة عبر تدمير عقله، ثم عزله، بدل مواجهته فكريا. يكمن في هذا نقد ضمني لآليات الإقصاء السياسي، التي تستبدل الحجاج بالتصفية الرمزية، وتوظف حتى العلاقة العاطفية وسيلة للإجهاز على الخصم.

تكتسب هذه المفارقة قوتها من تحول حسن، المنخرط سابقا في المجال العام، إلى منسحب كلي منه. يمثل رامبو، بهذا المعنى، حسن بعد تحطم مشروعه الاجتماعي، ويحمل الاسم الجديد علامة ولادة هوية بديلة، هوية رجل يرفض المجتمع الذي أخرجه من فضائه. تكشف هذه الخلفية أن عزلة رامبو تنبع من جرح اجتماعي وسياسي عميق، وتصبح الغابة، بالنسبة إليه، فضاء للعزلة من أجل ضمان النجاة.

يشتغل النص على ثلاثية مكانية متدرجة الاتساع. تشكل الغابة، أولا، فضاء الحياة، حيث يجد رامبو الماء والطعام والمأوى، ويجد حمان مادة عمله الأولية. تمثل الغابة، ثانيا، فضاء الاختفاء، يمارس فيه الرجلان أنشطتهما بمنأى عن أعين الناس. تصبح الغابة، ثالثا، فضاء للتحرر من قيود المجتمع، يستعيد فيه رامبو استقلاله بعد تجربة حسن القاسية. تحضر المدينة، ممثلة في مراكش وساحة جامع الفنا، فضاء تسويقيا تصرَّف فيه غنائم الغابة، ويحضر الدوار فضاء العلاقات الأسرية والسوق، الذي يبقي حمان متصلا بالعالم الاجتماعي، أكثر من اتصال رامبو به.

يحدث الانتقال الفضائي الأكبر داخل حلم رامبو، من جبال الأطلس إلى سفينة البيجل، ومن المغرب إلى البرازيل، ومن الغابة المحلية إلى أفق كوني مباغت. يعبر هذا الانتقال بوابة الحلم الناجم عن تدخين الكيف، ويتحول المخدر، بذلك، إلى أداة سردية تخرق الحدود الجغرافية والزمنية معا. يوظف الكاتب، عبر هذه التقنية، سردا متوازيا حلميا، تتقاطع فيه نشوة رامبو الفكرية مع كوابيس حمان المرعبة، ويصل الحلمان إلى ذروة متزامنة توحي بمصير مشترك، رغم اختلاف مادة كل حلم.

يمثل البحر، في المقابل، فضاء الحركة والمغامرة، مقابل الغابة التي تمثل الثبات النسبي والاختباء. تتحرك الرواية، بين فضاءين متناقضين: غابة تحمي الإنسان من المجتمع، وبحر يضعه في مواجهة العالم بأسره.

يفتح النص، عبر حوار المقطع الثالث عشر، منظومة استغلال أوسع من فعل البطلين الفردي: مقاولات قطع الأخشاب المخالفة للقانون، وصناع الفحم، وتواطؤ السلطات أو تغاضيها. يضع الكاتب، بذلك، صيد رامبو وحمان الصغير في مقابل استغلال مؤسسي أكبر، ويطرح سؤالا ضمنيا حول العدالة الانتقائية: تُلاحَق سرقة القردة الصغيرة وشواء الجدي، بينما تنهب المافيات الكبرى الغابة خلسة أو بتواطؤ. يكرّس هذا التفاوت قراءة الغابة مرآة مصغرة للمجتمع، حيث تلتهم القلة الكثرة، سواء باسم الدين أو السياسة أو المال.

يشكل تدخين الكيف المفصل التقني الذي يتيح للرواية الانتقال من السرد الواقعي إلى الفضاء الاستيهامي. يتوزع أثره بشكل متباين بين الشخصيتين: يتحول المخدر، عند رامبو، إلى بوابة استنارة، حوار مع داروين ورحلة معرفية، ويتحول، عند حمان، إلى مصدر كابوس خالص، مطاردة الراعي وهجوم القردة والسقوط. يعكس هذا التباين فارقا رمزيا جوهريا بين الشخصيتين؛ يملك رامبو مخزونا معرفيا سابقا، تعيد المادة تنشيطه في صورة حلم فكري، بينما يفتقر حمان لهذا الرصيد، ويتحول وعيه المخدَّر إلى ساحة خام للذنب والخوف. يغدو الكيف، بذلك، أداة كاشفة لبنية كل شخصية، أكثر من كونه حدثا عرَضيا.

يمثل الحضور الدارويني المفصل البنيوي الأعمق في الرواية. يشكل اختطاف القرد لكتاب “أصل الأنواع”، في المقطع العاشر، ثم تمزيقه إياه في ختام الرواية، قوسا دلاليا مكتملا؛ ينتهي الكتاب، الذي يفترض تفسير أصل الإنسان من عالم الحيوان، ممزقا على يد الحيوان ذاته، في إيحاء ساخر بمحاولة الإنسان تدجين فهمه لأصله عبر نص مكتوب، بينما تبقى الطبيعة، ممثلة في القرد، فاعلة ومقاومة لهذا التأويل.

تضع مهنة رامبو وحمان، صيد صغار القردة وبيعها، الرجلين في موقع اصطفاء قسري، يمارسانه على كائن هو أقرب الكائنات إلى الإنسان بيولوجيا. تفتح هذه الحرفة مفارقة أخلاقية عميقة: يعتدي الإنسان على قريبه التطوري ليؤمّن قوته، تماما كما اعتدت عليه أنساق اجتماعية وسياسية أقوى منه. تتحول الرواية، إلى تأمل مركّب في سلسلة الافتراس التي تشمل الجميع؛ يُفترَس القرد من الإنسان، ويُفترَس الإنسان الهامشي، رامبو وحمان، من أنساق أعلى منه.

تفترس الحيوانات لتعيش، ويطور الإنسان، في المقابل، وسائل أكثر تعقيدا للسيطرة على أخيه الإنسان: المال، والسياسة، والدين، والخداع، والمعرفة، والمؤسسات. يبدو الإنسان، بهذا المعنى، أكثر خطرا من الحيوان؛ يتحرك الحيوان بدافع الحاجة والغريزة، ويستطيع الإنسان تبرير اعتدائه بمقولات وأيديولوجيات معقدة.

يكتسب الحلم، في الفصل الثالث، أهمية خاصة، ويسمح بتداخل مستويات الحكاية. تنطلق رحلة رامبو الذهنية مع داروين على متن البيجل من قراءة “أصل الأنواع”، وتتحول المعرفة، عبرها، إلى تجربة تخييلية موسِّعة. يعاني حمان، في المقابل، من كوابيس ترتبط بجريمته القديمة، الجدي المسروق والراعي والقردة، ويكشف حلمه ما تخفيه شخصيته في اليقظة.

تحمل سفينة البيجل قيمة رمزية تتجاوز وظيفتها كوسيلة نقل. تنقل السفينة رامبو، في حلمه، إلى فضاء داروين وإلى البرازيل، جغرافيا الرحلة العلمية للعالِم في القرن التاسع عشر. تدخل عناصر التبشير المسيحي، والاحتكاك بالسكان الأصليين، والعنف، والسلطة العسكرية، والنظرة الاستعمارية إلى هذه الرحلة، وتتحول، بذلك، إلى فضاء يفكك العلاقة بين العلم والاستكشاف والاستعمار. تحمل السفينة المعرفة، وتحمل معها، أيضا، القوة العسكرية ومشروع التبشير وإعادة تشكيل الآخر وفق قيم الغرب، وتفتح الرواية قراءة ما بعد استعمارية.

يظهر السكان الأصليون، في مشاهد البرازيل، مدافعين عن أرضهم، رافضين استقبال الغرباء في بداية اللقاء. تتخذ الرواية مسافة نقدية من الخطاب الذي يصف هذه الشعوب بالبدائية؛ يمتلك هؤلاء نظاما خاصا من المعتقدات والطقوس والأحكام، ويملكون القدرة على تنظيم جماعتهم واتخاذ قراراتهم. يحمل الغرباء، القادمون بدعوى التبشير والحضارة، القوة العسكرية والهيمنة الثقافية معهم، وتعيد الرواية طرح سؤال الحضارة: هل تكمن في امتلاك السلاح والعلم والسفن، أم في القدرة على احترام الآخر والطبيعة؟

تتكرر عناصر الحيوان، عبر الرواية، بطريقة تحولها إلى علامات رمزية: الجدي، والقردة، والخنازير البرية، والطيور، والثعابين. يجسد الجدي المسروق الذنب الأول عند حمان، وترمز القردة إلى الطبيعة المنتهَكة، ويشكل تعدد الحيوانات صورة عن نظام طبيعي، يستمر بذاته دون حاجة إلى القوانين البشرية. تعود صورة الجدي والقردة، في كوابيس حمان، بوصفها شاهدا على فعل الإنسان؛ تلاحق الجريمة التي يخفيها الإنسان في الغابة صاحبها داخل الحلم.

يحمل رامبو تمزقا داخليا بين ماض سياسي وفكري، وحاضر قائم على العزلة. تحمل علاقته بالغابة، بعدا نفسيا يتجاوز البعد الاقتصادي؛ يفقد رامبو ثقته في البشر، ويبحث عن كائنات أخرى، تحمل له وفاء الطبيعة. يمثل حمان، في المقابل، الجانب المعيشي من المأساة الإنسانية؛ يحمل عبء الأسرة والفقر والحاجة، بدل مشروع رامبو الفكري.

تجعل الرواية من الغابة مرآةً مكثفةً للمجتمع البشري، حيث تحكم العلاقات منطق القوة والصراع على الموارد. فكما يفترس القويُّ الضعيفَ في الغابة، يمارس الإنسان أشكالا أكثر تعقيدا من الهيمنة: بالمال، والسلطة، والدين، والاحتكار. غير أن الرواية تكشف مفارقة أساسية: الحيوان يمارس عنفه بدافع غريزي مباشر، بينما يملك الإنسان القدرة على تغليف عنفه بالخطاب، ومنح الاستغلال والقمع والهيمنة مبررات تبدو أخلاقية أو سياسية. بذلك لا تعود الغابة فضاء خارج المجتمع، بل تكشف منطقه الخفي وتعرّي آليات القوة التي تحكمه.

يستفيق الرجلان، في ختام الرواية، ويكتشفان أن ما عاشاه من موت ورعب صدر عن حالة التخدير وحدها. تخرج القردة من الكهف مع صغارها، ويكون كتاب “أصل الأنواع” قد تعرض للعبث والتمزيق. يختار الرجلان، بعد الاستفاقة، الصمت، ويحمل هذا الصمت خاتمة مفتوحة، تترك القارئ أمام أسئلة النص كاملة. ينصرف حمان، ويعود في اليوم التالي، ليجد رامبو قد اختفى، مختارا عزلته من جديد.

تبحث الرواية في نسق اجتماعي وسياسي واقتصادي يدفع بالمهمَّشين نحو موقع الحيوان المفترِس مكرَهين، بينما تبقى القوة والمال شرطا لامتلاك رفاهية القانون والأخلاق. يأتي توظيف عبد الكريم عباسي لداروين، بهذا المعنى، مفتاحا تأويليا لكامل النص؛ تُحكَم الطبيعة بقانون الانتقاء والبقاء للأصلح، ويخضع المجتمع البشري، كما تصوّره الرواية، لهذا القانون ذاته، وإن اختلفت أدواته، من الأنياب إلى المؤامرات، ومن الافتراس إلى الفساد المؤسسي.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.