تشريح مخ المتطرف..قلم :خالد منتصر

637

قلم :خالد منتصر

 

 

 

 

هل دماغ المتطرف عصبيا وتشريحيا وفسيولوجيا مختلفة عن الدماغ العادية؟، هل المخ بيولوجيا يتغير بالانغلاق والتزمت؟، هناك أبحاث كثيرة تقول نعم، فدراسة التطرف لم تعد حكرا على علم الاجتماع أو الفلسفة السياسية، بل أصبحت علوم الأعصاب المعرفية تساهم في تقديم إطار علمى لفهم جذوره البيولوجية وأنماط معالجته داخل الدماغ، لا يعني ذلك وجود «جين للتطرف»، بل يشير إلى وجود أنماط معرفية وانفعالية تتفاعل مع البيئة والثقافة والتنشئة لتنتج ما يُعرف بالتصلب الفكري أو اليقين المطلق.

أظهرت الدراسات العصبية أن اللوزة الدماغية، وهي المسئولة عن معالجة الخوف واستشعار التهديد، تلعب دوراً محورياً في تكوين الذهنية المتشددة، فالأفراد الذين يميلون إلى التفكير المحافظ المتصلب أو المتطرف غالبا ما يُظهرون نشاطاً أعلى في اللوزة الدماغية عند التعرض لمثيرات تُصنف باعتبارها تهديداً ثقافياً أو دينياً أو اجتماعياً.

هذا النشاط المرتفع يعزز الشعور بالخطر ويغذي خطاب «نحن في مواجهة تهديد دائم»، وهو الخطاب الذي يشكل البنية النفسية لأي أيديولوجيا متطرفة، في المقابل، تمثل القشرة الجبهية الأمامية مركز التفكير النقدى والمرونة المعرفية وضبط الانفعالات، هذه المنطقة مسئولة عن تقييم الأدلة، وتحليل المعلومات المتناقضة، وكبح الاستجابات الانفعالية السريعة، تشير بعض الدراسات إلى أن ضعف نشاط هذه المنطقة أو انخفاض كفاءتها الوظيفية يرتبط بتراجع القدرة على التفكير التحليلي لصالح الاستجابات العاطفية السريعة، عندما يهيمن الخوف، تتراجع سلطة التفكير النقدى، ويصبح العقل أكثر ميلاً للثنائيات الحادة، مؤمن وكافر، حق وباطل، نحن وهم.

أما القشرة الحزامية الأمامية (Anterior Cingulate Cortex – ACC) فتمثل حلقة الوصل بين العاطفة والتفكير التنفيذي، وتؤدي دورا أساسيا في اكتشاف الخطأ ورصد التناقض المعرفى وتحمل الغموض، عندما يواجه الفرد فكرة تتعارض مع معتقداته، يتولى الACC رصد الصراع الداخلي، ثم يرسل إشارات إلى القشرة الجبهية لإعادة التقييم، انخفاض نشاط هذه المنطقة يرتبط بتراجع القدرة على تحمل عدم اليقين.

وهو ما يفسر الميل إلى البحث عن إجابات قطعية ونهائية ورفض المناطق الرمادية في التفكير، من منظور المرونة العصبية neuroplaticity، فإن الدماغ يتشكل باستمرار وفقاً للخبرة المتكررة، إذا نشأ الفرد داخل بيئة فكرية مغلقة، تُعزز مسارات عصبية معينة مرتبطة باليقين والاستجابة الانفعالية، بينما تضعف المسارات المرتبطة بالتحليل والنقد والتساؤل، بمرور الوقت يصبح النمط الإدراكي أكثر تصلباً، ليس كقرار واعٍ، بل كنتيجة لتدريب عصبي متكرر.

التطرف ليس مرضا نفسيا في حد ذاته، بل هو نمط إدراكي وانفعالي يتغذى على الخوف، والهوية المغلقة، والسرديات التي تضخم التهديد وتقلل من قيمة العقل والتفكير النقدي، البيولوجيا هنا لا تبرر، لكنها تفسر؛ ولا تعفي من المسئولية، بل تساعدنا على فهم آليات الوقاية والتصحيح، إن فهم العلاقة بين الدماغ والتزمت الديني لا يهدف إلى شيطنة المتدينين، بل إلى التفريق بين الإيمان بوصفه تجربة روحية، والتطرف بوصفه نمطاً عصبياً معرفياً يقوم على تضخيم التهديد وتقليص مساحة الشك المشروع، العلم هنا يقدم أداة لفهم أعمق، وليس حكماً أخلاقيا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.