رمضان في المدينة الصغيرة… حين تتقدم الصورة على المعنى قلم : عبد الجليل ابو الزهور
قلم : عبد الجليل ابو الزهور
في المدن الصغيرة، حيث يعرف الناس بعضهم بعضًا بالاسم والملامح والتفاصيل، لا تمرّ العلامات مرورًا عابرًا. كل حركة تُقرأ، كل حضور يُؤوَّل، وكل غياب يُفسَّر. وفي مثل هذا الفضاء، يكتسب الدين بعدًا مضاعفًا: روحيًا في ظاهره، ورمزيًا في عمقه الاجتماعي والسياسي.
مع حلول شهر الصيام، تمتلئ المساجد عن آخرها. تمتد الصفوف إلى الأزقة، وتتحول الساحات إلى فضاءات صلاة مؤقتة. مشهد يبعث على الطمأنينة، لكنه يفتح أيضًا باب السؤال: هل نحن أمام امتلاء إيماني عميق، أم أمام موسم لإعادة ترتيب المواقع داخل المخيال الجمعي؟
في هذه الفترة تحديدًا، تتكاثر العلامات البصرية:
سجادات تُحمل في الأيدي بعد كل صلاة، وأحيانًا تُترك في واجهات السيارات كإشارة صامتة للانتماء. ألبسة دينية متنوعة تحضر بقوة في الفضاء العام. حضور مكثف في الصفوف الأولى، وحرص واضح على أن يُرى هذا الحضور ويُوثَّق.
ولا يتوقف الأمر عند الشعائر. فموائد الإفطار الجماعي تتكاثر، وقوافل “الإحسان” تجوب الأحياء الهامشية، وتُوزَّع القفف في مشاهد لا تخلو أحيانًا من عدسات وهواتف. يتحول الفقير، في لحظة رمضانية، إلى شاهد على كرم معلَن، وإلى خلفية لصورة تضامنية مكتملة العناصر.
لا أحد يجادل في قيمة الإطعام، ولا في أجر الصدقة. لكن السؤال المؤرق: هل يُراد للفعل أن يكون إغاثة لكرامة محتاجة، أم تزكية لصورة مانحٍ يحتاج بدوره إلى اعتراف؟
كأن بعض الخطاب الضمني يوحي بأن ما يُقدَّم في ثلاثين يومًا يكفي لأن يبقى في بطون الفقراء بقية السنة، وكأن الفقر موسمي، يظهر في رمضان ويختفي بانقضائه.
في مدينة مثل دمنات، حيث تتقاطع المصالح المحلية مع الخطاب القيمي، يتخذ الأمر أبعادًا أكثر حساسية. وجوه تختلف حولها الآراء طيلة السنة، تتفق فجأة على تكثيف حضورها الرمزي في هذا الشهر. تتراجع الخلافات العلنية، وتتقدم صورة “الالتزام” و”التضامن”، بينما تبقى الأسئلة المرتبطة بالسياسات الاجتماعية، وفرص الشغل، وتدبير الموارد، مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
هنا يظهر التناقض الصامت:
امتلاء في الصفوف، وفراغ في السياسات.
سخاء موسمي، وشحّ في الحلول الدائمة.
إطعام عابر، وصمت عن أسباب الجوع.
رمضان، في جوهره، مدرسة لكبح الأنا ومراجعة الذات. غير أن الأنا، حين تتغذى على الاعتراف الاجتماعي، قادرة على تحويل حتى الصدقة إلى عرض عمومي. فيتحول الفعل الخيري من استجابة لنداء الضمير إلى استثمار في الرأسمال الرمزي، يُستدعى عند كل استحقاق انتخابي أو سجال سياسي.
ليست المشكلة في كثرة المصلين، ولا في وفرة الموائد، بل في قلة الأثر المستدام.
ليست في السجادة المحمولة، ولا في القفة الموزعة، بل في غياب رؤية تُنهي الحاجة بدل أن تُديرها موسميًا.
المدينة لا تحتاج إلى مزيد من الصور المتقنة، بل إلى انسجام بين العبادة والعدالة، بين الإحسان العابر والسياسة الاجتماعية العادلة. لأن الدين، حين يُختزل في لحظة استعراض، يفقد قدرته التحويلية، ويصبح مجرد طقس جماعي جميل… لا يغيّر كثيرًا من شروط الواقع.
ويبقى السؤال البسيط، وإن كان موجعًا:
هل نصوم لنطهّر ذواتنا، أم لنلمّع صورتنا؟
وهل نطعم الفقير لنرفع عنه الحاجة، أم لنرفع عن أنفسنا عبء النظر في أسبابها؟