موسم الانتخابات على الأبواب: لماذا المناطق الأكثر هشاشة  وفقرًا هي الأكثر اهتمامًا بالانتخابات؟ بقلم ذ: حسن تزوضى

311

بقلم ذ: حسن تزوضى

 

 

     مع اقتراب كل موسم إنتخابي ألاحظ مفارقة عجيبة ولافتة لابد أن أخوض فيها وأن أحاول فهمها، تتمثل هذه المفارقة  في ارتفاع منسوب الاهتمام بالانتخابات والمشاركة فيها  داخل المجالات الاجتماعية الأكثر هشاشة، مقابل فتور نسبي أو كلي  في الأوساط الأكثر استقرارًا ماديًا، أو بعبارة أدق،  المناطق التي تعاني من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، والتي يفترض أن تكون الأكثر عزوفًا عن السياسة بسبب خيبات الأمل المتراكمة، هي الأكثر اهتماما بالسياسة والانتخابات. فكيف يمكن فهم هذه الظاهرة؟ وما الذي يجعل الأشخاص والجماعات  الأكثر فقرا وهشاشة وتهميشا هي الأكثر اهتماما بالانتخابات وكل مايرتبط بها؟

السوسيولوجيا وعلم النفس  والانتروبولوجيا والفلسفة وغيرها من الاطر الفكرية النظرية، لا يجب النظر إليها كغاية في حد ذاتها، بل هي مجرد أدوات للفهم يجب أن يتم توظيفها لإدراك الواقع وكشف  تناقضاته الظاهرة والخفية، فما قيمة معارفك وشهاداتك الجامعية إذا لم تمدك بالأدوات لفهم واقعك بشكل أكثر عمقا وشمولية، ما الجدوى من مفاهيمك وخطاباتك إذا لم تقودك إلى المشاكسة، إلى طرح السؤال، وإلى شرف المحاولة.

  لكي نفهم هذه الظاهرة موضوع التفكير -أي الاهتمام المبالغ فيه بالانتخابات في المناطق الأكثر هشاشة اجتماعيا واقتصاديا- يمكن استحضار ثلة  من المفكرين على اختلاف تخصصاتهم ، والذين وضعوا مجموعة  المفاهيم والتصورات التي حاولوا من خلالها فهم دينامية المجتمع ، على رأس هؤلاء،  السوسيولوجي الفرنسي إيميل دوركايم الذي تحدث عن أشكال التضامن  داخل المجتمعات وانطلق منها لفهم طبيعة هذه المجتمعات وتفاعلاتها. وفي هذا الإطار  يميز دوركايم  بين أشكال التضامن الاجتماعي تبعا لطبيعة المجتمع، ففي  المجتمعات الهشة والتقليدية، يكون  نمط  “التضامن الميكانيكي” هو السائد، هذا النمط قائم على التشابه والترابط بين  الأفراد، حيث  لا يُفهم السلوك الانتخابي بوصفه قرارًا فرديًا مستقلًا، بل باعتباره فعلًا جماعيًا تحكمه شبكة من القيم والولاءات،  هذا ما يفسر كثافة التعبئة في هذه المناطق، حيث تتحول الانتخابات إلى لحظة لإعادة إنتاج الروابط الاجتماعية وتأكيد الانتماء الجماعي. ونحن كمتتبعين نلاحظ كيف يثم  استغلال  الروابط والانتماءات القبلية، بل إثارة النعرات القبلية والصراعات للاستفادة منها انتخابيا، وكيف يتم التحكم في الفعل الانتخابي داخل القبيلة ليصير فعلا جماعيا لا ممارسة فردية حرة ومسؤولة،  فكل قبيلة أو مجموعة تحاول أن تعبر عن إختيارها بشكل جماعي وفق حسابات ورهانات ووعود، وهذا يفرغ الفعل الانتخابي أيضا من طبيعته .

غيرأن هذا التفسير السالف الذكر لا يكتمل دون استحضار مفهوم “الرأسمال الرمزي” عند  بيير بورديو الذي يبين كيف أن الفاعلين الاجتماعيين، خصوصًا في وضعيات الهشاشة، يسعون إلى تعويض نقص الرأسمال الاقتصادي عبر أشكال أخرى من الاعتراف، ففي مواسم الانتخابات يكثر الوسطاء الانتخابيين من اعيان القبائل وأفرادها حيث يتم استغلال موقعهم،  على هذا الاساس تصبح  الانتخابات مجالًا لتبادل هذا الرأسمال الرمزي، سواء عبر الوعود أو عبر أشكال الاعتراف الاجتماعي التي يمنحها الفاعلون السياسيون لهؤلاء الوسطاء،  إن المشاركة الانتخابية في ظل هذه الشروط  ليست  تعبيرًا عن موقف سياسي، بل هي  استثمار في إمكانية الحصول على موقع داخل شبكة المصالح والاعتراف الرمزي .

من زاوية أخرى، يمكن فهم هذا السلوك في ضوء نظرية “الاختيار العقلاني”، التي تفترض أن الأفراد يتخذون قراراتهم بناءً على حسابات الربح والخسارة. غير أن خصوصية السياقات الهشة تكمن في أن كلفة عدم المشاركة قد تُدرك على أنها أعلى من كلفة المشاركة، حتى وإن كانت النتائج غير مضمونة. فالفرد الذي يعيش في وضعية هشاشة قد يرى في التصويت احتمالًا -ولو ضئيلًا- لتحسين وضعه، في حين أن الامتناع يبدو كخسارة مؤكدة، ونحن كفاعلين نلاحظ هذه المسألة حينما يكون هناك خطاب يدعو الى المقاطعة، نلاحظ  أن جمهور الناخبين في هذه المناطق يبنون موقفهم على هذا الاساس، فيعتبرون أن مقاطعة الانتخابات لاجدوى منه، رغم أنهم يعلمون أن  العملية العملية الانتخابية غير مضمونة النتائج. بهذا المعنى، يتحول الفعل الانتخابي إلى رهان عقلاني داخل أفق محدود الإمكانيات.

لكن هذا التحليل العقلاني يحتاج إلى تعميق من خلال البعد النفسي، خصوصًا عبر ما طوره أبراهام ماسلو في نظريته حول “هرم الحاجات”. ففي المستويات الدنيا من هذا الهرم، حيث تهيمن الحاجات الأساسية مثل الأمن والاستقرار، يصبح السلوك الإنساني موجهًا نحو البحث عن أي وسيلة لتأمين هذه الحاجات. فالانتخابات في هذا السياقات ، لا تُدرك كآلية ديمقراطية قيمية  مجردة، بل كوسيلة محتملة لتلبية احتياجات أساسية، وبالتالي  فإن شدة الاهتمام بها تعكس في العمق شدة الحاجة والنقص والهشاشة والضعف، وليس  بالضرورة قوة الوعي السياسي والاختيار الحر.

إلى جانب كل التحليلات السابقة لت يستقيم التحليل لهذه الظاهرة ولا ينال شموليته إلا من خلال  استحضار تحليل  كارل ماركس الذي يربط بين البنية الاقتصادية وأنماط الوعي. فالمناطق المهمشة بحكم موقعها داخل البنية الاجتماعية، تعيش نوعًا من الوعي الذي يتأرجح بين إدراك شروط الاستغلال والأمل في تغيير هذه الشروط . الانتخابات بالنسبة لهذا الوعي الذي لم يستطع أن يحسم مع شروط الاستغلال،  تمثل لحظة يتجسد فيها هذا التوتر، حيث يُعاد إنتاج الأمل في التغيير داخل بنية قد تعيد إنتاج نفس أشكال الهيمنة. إن المشاركة هنا لا تعني بالضرورة التحرر من شروط الهيمنة، بل قد تكون جزءًا من آليات إعادة إنتاجها.

إن ما يجمع بين هذه المقاربات هو الإقرار بأن الاهتمام المرتفع بالانتخابات في المناطق الفقيرة ليس مؤشرًا بسيطًا على حيوية ديمقراطية، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين الحاجة والوعي والبنية الاجتماعية. إنه اهتمام تغذيه الهشاشة والفقر لا الديمقراطية والحق في الإختيار،  توجه  يعبر عن رغبة دفينة  في التغيير، لكنه يصطدم  بمحدودية أدوات  التغيير.

في النهاية، يمكن القول إن الفعل الانتخابي في هذه السياقات الهشة  يتجاوز كونه ممارسة سياسية ليصبح ظاهرة اجتماعية كلية، تتقاطع فيها رهانات البقاء مع تطلعات الاعتراف، وتختلط فيها حسابات العقل ومظاهر اليأس والامل . ولذلك، فإن فهم هذا السلوك يقتضي تجاوز القراءات السطحية، والانخراط في تحليل عميق يكشف عن البنيات الخفية التي تجعل من الانتخابات، بالنسبة للفئات المهمشة، أكثر من مجرد استحقاق دوري، بل لحظة مكثفة من التوتر بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، وبهذه المناسبة أدعوا الباحثين الجامعيين الاهتمام بمثل هذه الظواهر ومحاولة فهمها، لأن الفهم هو المنطلق من أجل التغيير، فالجامعة يجب أن تنخرط في قضايا المجتمع وعلينا أن تتوقف عن تلك الاهتمامات البيزنطية التي لاتفيد في شيء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.