اليسار وانتخابات 2026……قلم : محمد شهبي

56

قلم : محمد شهبي

 

 

أصبح المواطن اليوم لا يعرف حسابها بدقة: كيف سيوزع راتبه الشهري بين فاتورة الماء والكهرباء، وكراء البيت، ومصروف المدرسة، وقنينة الزيت… المواطن المغربي اليوم يعيش وضعية “تقشف قسري” وصبر طويل.

في هذا السياق الهادئ ظاهرياً والمُرهق باطنياً، يطرح السؤال نفسه بحدة مع اقتراب استحقاقات 2026: هل يمكن لليسار المغربي أن يستفيد من هذا الإرهاق الاجتماعي ليصنع الفرق في صناديق الاقتراع؟

وهم “الغضب التلقائي” وصعود “اللامبالاة”

القراءات السياسية الحديثة للشارع المغربي تجمع على نقطة جوهرية: الضيق المعيشي في المغرب لا يتحول تلقائياً إلى تصويت لليسار.

في الديمقراطيات الكلاسيكية، حين تنهار القدرة الشرائية، يعاقب الناخبون الأحزاب الحاكمة لصالح اليسار. لكن في المغرب، المعادلة مختلفة. المواطن المغربي، حين ييأس من الأحزاب ومن المؤسسات، لا يبحث عن بديل أيديولوجي، بل ينسحب إلى “الخاص”. ترجمته السياسية هي الامتناع عن التصويت (العزوف) أو التصويت العشوائي.

انعدام الثقة اليوم ليس “غضباً”، بل هو “لامبالاة”. المواطن يرى أن كل الأحزاب، بما فيها اليسارية، تتشابه في النهاية. فهي تذهب إلى البرلمان وتعود، ولا يتغير شيء في سعر الطماطم أو في اكتظاظ المستشفيات. هذا “الإحباط البارد” هو التحدي الأكبر الذي سيواجهه اليسار في 2026.

اليسار المغربي: تشخيص صحيح و”وصفة” معقدة

المشكلة الأساسية لليسار المغربي (سواء تعلق الأمر بفدرالية اليسار الديمقراطي أو باقي المكونات اليسارية والنقابية) ليست في قدرته على فهم المشكلة، بل في طريقة تقديم الحل.

اليسار المغربي بارع جداً في التحليل، فهو يقرأ أرقام التضخم، وينتقد سياسات الدعم، ويحلل الفوارق المجالية. لكن مشكلته تكمن في أن خطابه يظل “أكاديمياً” أو “أيديولوجياً” بامتياز. حين يتحدث اليساري عن “النموذج التنموي” أو “السياسات النيوليبرالية”، فإنه يخاطب نخبة صغيرة في المدن الكبرى، بينما المواطن البسيط في العالم القروي أو في الأحياء الهامشية يريد أن يسمع: “ماذا ستفعلون لتقليل ثمن الدواء في حيكم؟” أو “كيف ستحلون مشكلة انقطاع الماء فيه؟”.

اليسار المغربي فشل حتى الآن في تقديم “يسار براغماتي” (عملي). هو لم يستطع بعد خلق جسور مع الطبقات الشعبية الجديدة، ومع الشباب الذي لا يفهم لغة “الصراع الطبقي” التقليدية، لأنه ببساطة يعيش هشاشة مختلفة (بطالة، اشتغال في القطاع غير المهيكل، أو الهجرة بطريقة غير نظامية).

رهانات 2026: كيف يخرج اليسار من هامشيته؟

انتخابات 2026 لن تكون “استفتاء” على الوضع الاجتماعي كما يبدو للبعض. ستكون انتخابات “تدبير محلي” و”قرب” في المقام الأول. لكي يستطيع اليسار المغربي حصد أصوات، أو على الأقل استعادة موقعه كقوة مؤثرة، عليه أن يدرك ثلاث حقائق ميدانية:

-السياسة لم تعد تُلهم، بل تُتدبر: المواطن لم يعد يبحث عن “منقذ”. هو يبحث عن “كفاءة” تدبر شأنه المحلي. اليسار يحتاج إلى تقديم وجوه محلية معروفة بنزاهتها، أشخاص عاشوا المشاكل اليومية للناس، وليس فقط مثقفين يكتبون بيانات الإدانة.

-القطع مع “التشرذم” الشكلي: المواطن يملّ من رؤية أحزاب يسارية تتشاجر على من هو “الأكثر يسارية”. في 2026، إذا لم يقدم اليسار جبهة موحدة أو تحالفاً واضحاً ومقنعاً، سيضيع صوته بين تشتته، وسيفوز من يملك “الآلة” والمال، حتى لو كان الناخبون لا يحبونه.

-التواضع السياسي: يجب على اليسار أن يتوقف عن الحديث وكأنه يملك “الحل السحري”. الاعتراف بأن الأوضاع الاقتصادية معقدة وأن الحلول ليست سحرية، لكن هناك “طرقاً أفضل” لتوزيع الثروة وحماية الخدمات العمومية، هو خطاب يصدقه المواطن. التواضع في الطرح يخلق ثقة، والشعارات الرنانة تخلق نفوراً.

خلاصة القول

اليسار المغربي لا يواجه في 2026 فرصة ذهبية بسبب “غلاء الأسعار”، كما يظن البعض. الغلاء وحده لا يصنع ناخباً يسارياً، الغلاء يصنع مواطناً منهكاً يبحث عمن يخرجه من أزمته اليومية بأقل الخسائر.

لكي ينجح اليسار، عليه أن ينزل من “منصات البيانات” إلى “أسواق القرب”. عليه أن يفهم أن الاستقرار الاجتماعي في المغرب ليس هشاً لدرجة الانفجار، بل هو متماسك بفعل الروابط العائلية والتضامن الاجتماعي الشعبي. واليسار، لكي يكون ذا صلة، يجب أن يحتضن هذا التضامن ويدعمه، لا أن يدرّس المواطن نظريات في كيفية تغيير العالم.

المعركة في 2026 ليست معركة “شوارع”، بل معركة “قرب وثقة”. ومن ينجح في إقناع المواطن بأن صوته لن يضيع، وأنه سيُترجم إلى خدمة يلمسها، ربما هو من سيربح الرهان.

-باحث في العلوم السياسية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.