من سبات التدبير إلى حمى الانتخابات.. مشاريع في الوقت الميت

77

أزيلال 24 : عبد الجليل ابو الزهور 

 

 

27 مليون درهم في تبانت.. و8.26 مليون درهم في دمنات: صدفة تنموية أم هندسة انتخابية؟

فجأة، وفي توقيت لا يحتاج إلى كثير من الذكاء لفهم دلالاته السياسية، بدأت المشاريع تتساقط على الورق كما تتساقط الوعود في مواسم الانتخابات.

في دمنات، يعلن المجلس الجماعي عن تسعة مشاريع بغلاف مالي إجمالي يناهز 8.26 مليون درهم، تشمل الماء والكهرباء والطرق والحدائق والساحات والسوق الأسبوعي والمقابر ومجاري المياه والقاعة المغطاة، فيما لا تزال هذه المشاريع، حسب المعطيات المنشورة، في مرحلة إعداد الصفقات.

وفي تبانت بإقليم أزيلال، يجري الحديث عن تخصيص 27 مليون درهم لبناء وتهيئة مجموعة من المسالك الطرقية، تشمل تمالوت، إسكاطافن، إغيرين، إملغس، سرمات وآيت واندال، بمجموع يقارب 13 كيلومتراً.

وهنا يحق للمواطن أن يسأل، وبصوت مرتفع:

أين كانت هذه المشاريع طوال السنوات الماضية؟ ولماذا لم تر النور إلا ونحن على أبواب الاستحقاق الانتخابي؟

المواطن الجبلي الذي ظل سنوات ينتظر طريقاً يفك عنه العزلة، والمواطن الدمناتي الذي ينتظر الماء والإنارة والطرق والحدائق، لا يحتاج إلى بلاغات صحفية مزخرفة ولا إلى صور للمسؤولين وهم يتحدثون عن “الدينامية التنموية”.

إنه يحتاج إلى مشروع منجز، وطريق مفتوح، وماء يصل إلى منزله، وإنارة تشتغل، وخدمة عمومية محترمة.

أما أن تخرج المشاريع من الأدراج في الوقت الذي بدأ فيه العد التنازلي للانتخابات، وأن يتم تقديمها للرأي العام باعتبارها إنجازات، بينما بعضها لم يتجاوز بعد مرحلة إعداد الصفقات أو طلبات العروض، فذلك يفتح الباب أمام سؤال سياسي مشروع:

هل نحن أمام تنفيذ طبيعي لبرامج التنمية، أم أمام محاولة متأخرة لصناعة حصيلة انتخابية؟

في تبانت، لا نتحدث عن مبلغ رمزي. نحن أمام 27 مليون درهم مخصصة للمسالك الطرقية.

والأرقام المنشورة تتحدث عن طلب عروض رقم 197/2026 لإنجاز أشغال بناء وتهيئة مجموعة من المسالك بتراب الجماعة.

فلماذا انتظرت هذه المشاريع إلى هذا التوقيت؟

ولماذا لم تُنجز في السنوات التي كان المواطن فيها يواجه العزلة، ويعاني صعوبة التنقل، ويحسب المسافة إلى المستشفى والسوق والمدرسة بالمعاناة لا بالكيلومترات؟

ثم هناك سؤال آخر أكثر إزعاجاً:

هل المشروع الذي يوجد في طور طلب العروض يمكن تقديمه باعتباره إنجازاً؟

طبعاً لا.

المشروع ليس إنجازاً بمجرد تخصيص الاعتماد المالي له، وليس إنجازاً بمجرد الإعلان عن طلب عروض، وليس إنجازاً بمجرد نشر صور المسؤولين وهم يشرحون للناس أهميته.

الإنجاز يبدأ عندما تنتهي المساطر، وتنطلق الأشغال، وتحترم الآجال، وتُنجز الجودة المطلوبة، ثم يفتح الطريق فعلاً أمام المواطن.

أما تحويل المشاريع المبرمجة إلى منجزات انتخابية قبل أن تصبح واقعاً على الأرض، فهذه قصة أخرى.

من المواطن إلى “الناخب”

المشكلة ليست في أن تنجز الجماعات مشاريع قبل الانتخابات. بالعكس، لو أنجزت كل الجماعات مشاريعها حتى آخر يوم من ولايتها، لكان ذلك أمراً محموداً.

المشكلة تبدأ عندما يتحول توقيت الإعلان عن المشاريع إلى جزء من الحساب الانتخابي.

فالمواطن الذي حُرم من الطريق سنوات، قد يُطلب منه فجأة أن يصفق للمشروع بمجرد الإعلان عنه.

والأسرة التي انتظرت الماء، قد يُقال لها: “انظروا ماذا فعلنا”.

والشاب الذي ظل يبحث عن فرصة عمل، قد يجد نفسه أمام خطاب جديد عن “الدينامية الاقتصادية”.

والقرية التي ظلت معزولة، تصبح فجأة جزءاً من “الخريطة التنموية”.

لكن المواطن ليس بهذه السذاجة.

لقد تغيرت الأشياء.

لم يعد المواطن يريد أن يعرف فقط من وعده؟

بل يريد أن يعرف:

متى تمت برمجة المشروع؟
متى رُصد الاعتماد؟
متى أطلقت الصفقة؟
من فاز بها؟
متى ستنطلق الأشغال؟
متى ستنتهي؟
وكم كلفت فعلياً؟
وهل ستُنجز بالجودة التي يستحقها المواطن؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح.

المواطن ليس قطيعاً انتخابياً

هناك عقلية سياسية قديمة ما زالت تتعامل مع المواطن باعتباره رقماً انتخابياً، أو جزءاً من “القطيع” الذي يكفي أن يتحرك رأسه حتى تتحرك وراءه بقية الرؤوس.

لكن زمن “رأس القطيع يسير فوق الجسر والباقي يتبعه” يجب أن ينتهي.

المواطن ليس قطيعاً.

والناخب ليس تابعاً.

والطريق ليست صدقة انتخابية.

والماء ليس هدية من المنتخبين.

والإنارة العمومية ليست منّة.

والحدائق والأسواق والمرافق العمومية ليست ملكية خاصة للمجالس حتى تُستعمل لاستمالة الناخبين.

كل هذه المشاريع تُنجز من المال العام، والمال العام ملك للمواطنين.

لذلك فإن من حق المواطن أن يسأل عن كل درهم، وعن كل صفقة، وعن كل مشروع، وعن توقيت كل مشروع.

أخطر ما في “الوقت الميت”

الخطورة ليست فقط في الإعلان المتأخر.

الخطورة أن تتحول الأشهر الأخيرة قبل الانتخابات إلى موسم لتقديم المشاريع وكأنها رصيد انتخابي شخصي.

يظهر المسؤول ليقول: فعلنا وأنجزنا وبرمجنا.

لكن الحقيقة قد تكون أن المشروع ما زال ينتظر الصفقة، أو ينتظر انطلاق الأشغال، أو ينتظر الاعتمادات، أو ينتظر شريكاً مؤسساتياً.

وفي هذه الحالة يصبح السؤال بسيطاً:

هل المطلوب خدمة المواطن أم صناعة صورة انتخابية؟

في دمنات، هناك حديث عن مشاريع بـ8.26 مليون درهم، إضافة إلى اتفاقية مرتقبة مع مجلس الجهة بقيمة إجمالية تصل إلى 3 ملايير سنتيم.

وفي تبانت، هناك مشاريع طرقية بـ27 مليون درهم.

أرقام كبيرة، واحتياجات أكبر، ومناطق انتظرت طويلاً.

لكن المواطن لا يريد أن يكون مجرد متفرج على أرقام ضخمة في البيانات الصحفية.

يريد أن يرى أثرها على حياته.

لا تستعملوا معاناة الناس سلماً للانتخابات

القرى التي عانت العزلة لا يجوز أن تتحول إلى خلفية للصور الانتخابية.

والأحياء التي عانت نقص الخدمات لا يجوز أن تصبح فجأة مسرحاً للوعود الموسمية.

والأسر التي انتظرت الماء والكهرباء والطرق لا ينبغي أن يُطلب منها أن تشكر المسؤولين على حقها الطبيعي في التنمية.

التنمية ليست حملة انتخابية.

والتدبير الجماعي ليس موسم علاقات عامة.

والمال العام لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لصناعة الامتنان السياسي.

ومن أراد أن يقنع المواطن، فليضع أمامه الحصيلة الكاملة للولاية، لا المشاريع التي ظهرت في آخر لحظاتها.

وليكشف للناس ماذا أنجز وماذا تعثر وماذا لم ينجز، ولماذا.

أما أن تظهر المشاريع في “الوقت الميت”، ثم يُطلب من المواطن أن يربط بينها وبين الأشخاص والانتخابات، فذلك استخفاف بذكاء الناخب.

الناخب اليوم لا يحتاج إلى من يقوده فوق الجسر.

إنه يريد أن يعرف أولاً:

من بنى الجسر؟
ولماذا تأخر بناؤه؟
وكم كلف؟
ومن استفاد من الصفقة؟
وهل كان يمكن إنجازه قبل سنوات؟

وعندما يصل يوم الاقتراع، سيعرف المواطن وحده أين يضع صوته.

فلا أحد يملك المواطن.

ولا أحد يملك صوته.

ولا أحد يملك الحق في تحويل المال العام إلى شيك انتخابي مؤجل.

المشاريع حق، وليست منّة.
والتنمية واجب، وليست دعاية.
والناخب مواطن، وليس قطيعاً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.