الدافع إلى الحياة ما بين إرادة الاقتدار عند فريدريك نيتشه والتطور الخلاق عند هنري برجسون، دراسة مقارنة قلم : د زهير الخويلدي

58

قلم : د زهير الخويلدي

 

مقدمة

يشكل الدافع إلى الحياة محورًا مركزيًا في الفلسفة الحديثة، إذ يتجاوز مجرد البقاء البيولوجي ليصبح مبدأً وجوديًا يفسر حركة الكائن الحي وصيرورته وإبداعه. في هذا السياق، يبرز مفهومان فلسفيان عميقان: «إرادة الاقتدار» عند فريدريك نيتشه (15 أكتوبر 1844 – 25 أغسطس 1900) ، و«التطور الخلاق» عند هنري برجسون (18 أكتوبر 1859 – 4 يناير 1941). كلاهما يرفضان التفسير الآلي الميكانيكي للحياة، ويؤكدان على ديناميكية داخلية تدفع الوجود نحو تجاوز ذاته. غير أن الاختلاف الجذري يكمن في طبيعة هذا الدافع: فهو عند نيتشه إرادة للسيطرة والتفوق والخلق من خلال الصراع والتأكيد الذاتي، بينما هو عند برجسون اندفاع حيوي أصيل ينبثق من الداخل ويخلق أشكالًا جديدة باستمرار عبر الزمان والمدة. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف هذين المفهومين بعمق، ثم مقارنتهما من حيث الأسس الميتافيزيقية والبيولوجية والأخلاقية والوجودية، للكشف عن أوجه التقارب والتباعد في فهمهما للدافع إلى الحياة. فما المقصود بالدافع الى الحياة في الفلسفة؟ كيف يتمثل في ارادة الاقتدار عند نيتشه؟ وما علاقة التطور الخلاق عند برجسون بارادة الحياة النيتشوية؟ وماهي الرهانات لذلك؟

إرادة الاقتدار عند نيتشه: الدافع كقوة تأكيدية وصراعية

يعتبر مفهوم إرادة الاقتدار حجر الزاوية في فلسفة نيتشه المتأخرة، وهو ليس مجرد رغبة في السيطرة السياسية أو الاجتماعية، بل مبدأً أنطولوجيًا كونيًا. يرى نيتشه أن الحياة ليست سعيًا نحو البقاء كما ذهب داروين، ولا سعيًا نحو اللذة كما في مذهب اللذة، بل هي إرادة اقتدار متدفقة. كل كائن حي، بل كل قوة في الوجود، يسعى إلى توسيع نطاق تأثيره، إلى فرض شكله على ما حوله، إلى النمو والتجاوز. الحياة في جوهرها هي «إرادة اقتدار»، أي رغبة دائمة في أن تكون أكثر مما هي عليه.يظهر هذا الدافع أولًا في المستوى البيولوجي: الكائن الحي لا يكتفي بالحفاظ على ذاته، بل يسعى إلى الاستيلاء على الطاقة، إلى الهيمنة على البيئة، إلى التكاثر الذي هو في حقيقته امتداد للاقتدار. أما في المستوى النفسي، فيتجلى في الرغبة في التفوق، في خلق قيم جديدة، في تجاوز الإنسان نفسه نحو الإنسان الأعلى. الإنسان الأعلى ليس غاية ثابتة، بل تعبير عن الدافع الحيوي الذي يرفض الرضا والاستقرار، ويحتفي بالصيرورة والمخاطر. النفي والعدمية، كما يراها نيتشه، هما نتيجة كبت هذا الدافع أو تحويله إلى نفي للحياة عبر الأخلاق التقليدية والمسيحية، التي تُعلي من الضعف والشفقة على حساب القوة والإبداع.

الدافع إلى الحياة عند نيتشه إذن دافع تأكيدي وإيجابي، لكنه صراعي بالضرورة. الاقتدار لا يتحقق إلا في مواجهة المقاومات، سواء كانت طبيعية أو بشرية أو داخلية (مثل الغرائز المقموعة). الصيرورة نفسها هي تعبير عن هذا الصراع الدائم بين القوى. لا وجود لجوهر ثابت؛ كل شيء تفسير وإرادة. الحياة الحقيقية هي تلك التي تقول «نعم» لذاتها بكل ما فيها من ألم وصراع، رافضة أي عزاء ميتافيزيقي أو أخلاقي يحاول تهدئة الاندفاع الحيوي. بهذا المعنى، يصبح الفن والخلق الفلسفي أعلى تعبيرات إرادة الاقتدار، إذ يحولان الفوضى إلى شكل، والمعاناة إلى جمال.

التطور الخلاق عند برجسون: الدافع كاندفاع حيوي وإبداعي

في المقابل، يقدم هنري برجسون في «التطور الخلاق» رؤية مغايرة جذريًا للدافع إلى الحياة. ينطلق برجسون من نقد الآلية الداروينية والسببية الميكانيكية، ليؤكد أن الحياة ليست نتيجة تراكم تغيرات عشوائية خاضعة للانتخاب الطبيعي فحسب، بل هي تعبير عن «اندفاع حيوي» أصلي. هذا الاندفاع ليس قوة عمياء، بل طاقة خلاقة تتدفق عبر الزمان، وتخلق أشكالًا جديدة باستمرار. المفهوم المركزي هنا هو «الديمومة». الزمان الحقيقي ليس الزمان المكاني القابل للقياس والتقسيم، بل هو تدفق داخلي كيفي لا ينقسم، يحتفظ بالماضي كله في الحاضر ويخلق المستقبل. الحياة هي هذا التدفق نفسه: اندفاع مستمر يحاول التغلب على المادة الجامدة، ويخلق الكائنات الحية كحلول مؤقتة لمشكلة الاستمرار في عالم مادي مقاوم. التطور ليس خطيًا ولا حتميًا، بل خلاقًا: كل لحظة جديدة تضيف شيئًا لم يكن موجودًا من قبل، ولا يمكن التنبؤ به انطلاقًا من الماضي وحده. الدافع إلى الحياة عند برجسون هو إذن دافع إبداعي خالص. الاندفاع الحيوي يسعى إلى الحرية والوعي المتزايد. في النباتات يتجمد تقريبًا في شكل سكون، وفي الحيوانات يظهر في الغريزة، أما في الإنسان فيبلغ ذروته في الذكاء والحدس. الحدس هو القدرة على التوافق مع المدة ذاتها، على إدراك الحياة من داخلها لا من خارجها كما يفعل الذكاء التحليلي. بهذا، يصبح الدافع الحيوي ليس صراعًا من أجل السيطرة بقدر ما هو انبثاق مستمر لأشكال جديدة من الوجود، يحاول تحرير نفسه تدريجيًا من قيود المادة. كما يرفض برجسون فكرة الغاية الخارجية أو التصميم المسبق. التطور الخلاق ليس موجهًا نحو غاية محددة سلفًا، بل هو خلق مستمر للغايات نفسها. الحياة تقول «نعم» لذاتها من خلال الإبداع، لا من خلال السيطرة. الموت والنقص ليسا نفيًا للحياة، بل جزءًا من عملية الخلق التي تتطلب التغلب على المقاومات المادية.

تأثير سبينوزا على إرادة الاقتدار عند نيتشه والتطور الخلاق عند برجسون

يعتبر باروخ سبينوزا الذي وُلد سنة 1632 في أمستردام وتوفي سنة 1677 الأول من الفلاسفة الذين أعادوا صياغة فهم الدافع الحيوي والوجود على أسس عقلية وميتافيزيقية جذرية. من خلال مفهوم «الكوناتوس» بوصفه الجهد الذي يبذله كل موجود للحفاظ على وجوده وتوسيعه، قدم سبينوزا تصوراً ديناميكياً للطبيعة والإنسان يتجاوز الثنائيات التقليدية بين الجسد والروح، وبين الضرورة والحرية. هذا التصور ترك أثراً عميقاً ومتبايناً على مفهومي إرادة الاقتدار عند فريدريك نيتشه والتطور الخلاق عند هنري برجسون. فكلا المفكرين انطلقا من نقد مشترك للتفسيرات الغائية والآلية، واستثمرا عناصر من فلسفة سبينوزا، لكنهما حوّلاها في اتجاهين مختلفين: نيتشه نحو تأكيد صراعي واقتداري، وبرجسون نحو اندفاع زماني خلاق. تسعى هذه الدراسة إلى تتبع هذا التأثير في أسسه الميتافيزيقية، وتحولاته في فهم الدافع إلى الحياة، وأبعاده الأخلاقية والوجودية. في فلسفة سبينوزا يقوم الكوناتوس كمبدأ أنطولوجي كوني: كل شيء يسعى، بقدر ما في وسعه، إلى البقاء في وجوده. هذا السعي ليس رغبة واعية بالضرورة، بل قوة داخلية جوهرية تعبر عن ماهية الشيء نفسه. في الإنسان يظهر الكوناتوس على صورة الرغبة، التي تشمل الجسد والعقل معاً ضمن وحدة الجوهر الواحد. الطبيعة عند سبينوزا ليست آلة خارجية ولا خلقاً غائياً، بل نظاماً ضرورياً من العلل والمعلولات يعبر فيه الإله أو الجوهر عن ذاته في صفات لا متناهية. الحرية ليست تحررًا من الضرورة، بل فهم هذه الضرورة والقبول بها عبر العقل، وصولاً إلى الحب العقلي للإله. في هذا الإطار وفر لنیتشه وبرجسون نقطة انطلاق نقدية ضد المذاهب التي تفصل بين المادة والروح أو تفرض غايات خارجية على الحياة. كلاهما وجد في الكوناتوس بديلاً عن الإرادة الحرة التقليدية وعن الغائية اللاهوتية، لكنهما رفضا في الوقت نفسه الطابع الهندسي الحتمي الذي يسم النسق السبينوزي. لقد استقبل نيتشه فلسفة سبينوزا بإعجاب مشوب بالنقد الحاد. أعجب بنقد سبينوزا للغائية والتشبيه البشري للإله، ورفضه للأخلاق القائمة على الندم والشفقة، وتأكيده على الفرحة بوصفها علامة على زيادة القوة. الكوناتوس بدا لنیتشه قريباً من فكرته عن الحياة بوصفها إرادة اقتدار: كلاهما يرى في الكائن سعياً داخلياً إلى التعزيز والتوسع لا مجرد الحفاظ على البقاء. غير أن نيتشه حوّل هذا السعي من جهد للحفاظ على الوجود ضمن نظام ضروري إلى إرادة متفجرة تتجاوز ذاتها باستمرار عبر الصراع وفرض الشكل. الفرق الجوهري يكمن في طبيعة القوة. عند سبينوزا تكون القوة تعبيراً عن الماهية داخل نظام كلي مترابط، وتبلغ ذروتها في الفهم العقلي الذي يحرر الإنسان من الانفعالات السلبية. أما عند نيتشه فالقوة اقتدار خام يتجلى في التفوق والصراع وخلق القيم، ويرفض أي خضوع لنظام عقلاني كلي. إرادة الاقتدار لا تسعى إلى فهم الضرورة بقدر ما تسعى إلى تأكيد الصيرورة ذاتها، حتى في صورتها الأكثر قسوة. العود الأبدي يصبح الاختبار الأعلى لهذا التأكيد، في مقابل الحب العقلي السبينوزي الذي يتوجه نحو الأبدية الثابتة للجوهر.أخلاقياً، يأخذ نيتشه من سبينوزا رفض الأخلاق النفعية أو الزهدية، لكنه يدفع به إلى أقصى حد: بدلاً من الطمأنينة العقلية، يدعو إلى الاحتفاء بالمخاطر والمعاناة بوصفهما شروطاً للاقتدار. هكذا يحول نيتشه الكوناتوس من مبدأ حفظ وتوافق مع الكل إلى مبدأ تجاوز وصراع لا ينتهي. التأثير السبينوزي حاضر في نقد الغائية وفي ربط الحياة بالقوة، لكنه يُعاد صياغته ضمن رؤية صيرورية راديكالية ترفض الهندسة العقلية والوحدة الجوهرية. أما برجسون فقد تعامل مع سبينوزا من موقع نقدي أكثر حدة، مع الاعتراف بأهمية بعض حدوسه. انتقد برجسون بشدة المنهج الهندسي في «الأخلاق»، ورأى فيه محاولة لاختزال الزمان الحي إلى علاقات مكانية منطقية، والحرية إلى ضرورة مفهومة. الكوناتوس بدا له قريباً من تصور آلي أو شبه آلي يفتقر إلى البعد الإبداعي الحقيقي. غير أن فكرة الجهد الداخلي للحفاظ على الوجود وتوسيعه وجدت صدى في مفهوم الاندفاع الحيوي.الاندفاع الحيوي عند برجسون يشبه الكوناتوس في كونه قوة داخلية أصيلة تدفع الكائن إلى الاستمرار والتحول. لكن برجسون يحرره من النظام الحتمي السبينوزي ويجعله اندفاعاً زمانياً خالصاً يخلق أشكالاً جديدة لا يمكن التنبؤ بها انطلاقاً من الماضي. الديمومة تحل محل الأبدية السبينوزية: بدلاً من جوهر ثابت يعبر عن ذاته في صفات أزلية، هناك تدفق كيفي يحتفظ بالماضي ويخلق المستقبل في كل لحظة. التطور الخلاق ليس تحققاً لماهيات مسبقة، بل خلقاً مستمراً يقاوم المادة ويستخدمها في آن واحد. يستفيد برجسون من وحدة الجسد والعقل عند سبينوزا ليرفض الثنائية الديكارتية، لكنه يرفض في المقابل اختزال الوعي إلى مجرد صفة أو نتيجة ضرورية. الحدس يصبح وسيلة للاتصال المباشر بالاندفاع الحيوي، في مقابل العقل الهندسي الذي يتعامل مع المادة والمكان. أخلاقياً، يحول برجسون القبول السبينوزي بالضرورة إلى انفتاح على الحرية الإبداعية المتزايدة عبر الوعي. الحب العقلي يتحول إلى نوع من التوافق الحدسي مع تيار الحياة نفسه. هكذا يشترك نيتشه وبرجسون في استلهام الكوناتوس بوصفه دافعاً داخلياً للحياة يتجاوز مجرد البقاء الدارويني أو اللذة الحسية. كلاهما يرفض الغائية الخارجية ويستبدلها بقوة محايثة. وكلاهما ينتقد الطابع السكوني أو الحتمي المفرط في النسق السبينوزي، ويسعى إلى استعادة ديناميكية أعمق: صراعية عند نيتشه، وزمانية إبداعية عند برجسون. لكن الاختلاف في التحويل يكشف عن توجهين متباينين. نيتشه يدفع الكوناتوس نحو أقصى درجات التأكيد الاقتداري والصيرورة الدورية، رافضاً أي عزاء عقلي أو وحدة جوهرية. برجسون يدفعه نحو أقصى درجات الانفتاح الزماني والخلق غير القابل للتنبؤ، رافضاً الهندسة والمكانية. الأول يحول القوة إلى إرادة تفرض الشكل على الفوضى، والثاني يحولها إلى اندفاع يخلق أشكالاً جديدة من داخل التدفق نفسه.بهذا يتضح أن تأثير سبينوزا لم يكن نقلاً مباشراً، بل حواراً نقدياً خلاقاً. وفّر الكوناتوس لكلا المفكرين أساساً متيناً لفهم الدافع إلى الحياة بوصفه محايثاً وإيجابياً، لكن كلاً منهما أعاد توجيهه وفق رؤيته للصيرورة: صراع أبدي عند نيتشه، ومدة خلاقة عند برجسون. النتيجة فلسفتان للحياة تختلفان في النبرة والأفق، لكنهما تدينان لسبينوزا بالانطلاق من فكرة الجهد الداخلي الذي يجعل الوجود حركة لا سكوناً، وقوة لا مجرد جوهر ثابت.

المقارنة: نقاط التقارب والتباعد بين نيتشه وبرجسون

يتقارب نيتشه وبرجسون في رفضهما الجذري للتفسيرات الميكانيكية والآلية للحياة. كلاهما يرى في الداروينية اختزالًا خطيرًا للدافع الحيوي إلى مجرد تكيف وبقاء. كلاهما يؤكد على الصيرورة ضد الجوهر الثابت، وعلى الإبداع ضد التكرار. الحياة عندهما ليست محافظة بل تجاوزية. كذلك يشتركان في الاحتفاء بالقوة الداخلية ضد التبعية الخارجية: إرادة الاقتدار ضد القيم المفروضة، والاندفاع الحيوي ضد الحتمية المادية. كلاهما يرى في الإنسان أعلى تعبير عن الدافع الحيوي، ويطالب بتجاوز الذات نحو آفاق أرحب.

غير أن الاختلافات أعمق وأكثر جوهرية.

أولًا، في طبيعة الدافع نفسه: عند نيتشه، الدافع صراعي وتأكيدي عبر القوة والهيمنة. الاقتدار يتحقق في فرض الشكل على الفوضى، وفي الصراع الذي يولد القيم الجديدة. أما عند برجسون، فالدافع اندفاعي وانبثاقي، يخلق من خلال التدفق الداخلي دون حاجة ضرورية إلى الصراع كمحور. الصراع موجود مع المادة، لكنه ليس جوهر الحياة؛ الجوهر هو الخلق الحر.

ثانيًا، في العلاقة بالزمان والصيرورة: نيتشه يفهم الصيرورة كدورة أبدية أو كعود أبدى، حيث يتكرر كل شيء إلى ما لا نهاية، ويصبح التأكيد على الحياة تأكيدًا على هذا التكرار نفسه. العود الأبدى هو أعلى اختبار لإرادة الاقتدار: هل تستطيع أن تريد هذه الحياة بكل تفاصيلها إلى الأبد؟ أما برجسون، فيرفض التكرار الجوهري. المدة خلاقة حقًا؛ الماضي يحتفظ به لكنه لا يتكرر، والمستقبل ينبثق جديدًا. التطور مفتوح وغير قابل للعكس.

ثالثًا، في الموقف من العقل والحدس: نيتشه يشكك في العقل كأداة للسيطرة والتفسير، ويفضل الغريزة والإرادة والفن. برجسون يميز بين الذكاء (الذي يتعامل مع المادة والمكان) والحدس (الذي يتوافق مع الحياة والمدة). الحدس عند برجسون أداة إيجابية لمعرفة الدافع الحيوي من داخله، بينما عند نيتشه تبقى المعرفة نفسها تعبيرًا عن إرادة اقتدار.

رابعًا، في البعد الأخلاقي والوجودي: فلسفة نيتشه بطولية وصراعية، تحتفي بالإنسان الأعلى الذي يخلق قيمه في مواجهة العدمية. فلسفة برجسون أكثر انفتاحًا على الحرية الروحية والوعي المتزايد، وقد تميل نحو بعد صوفي أو ديني في بعض تفسيراتها اللاحقة، حيث يصبح الاندفاع الحيوي قريبًا من مصدر إلهي خلاق. نيتشه يظل ملحدًا جذريًا يرفض أي عزاء ميتافيزيقي، بينما يحتفظ برجسون بإمكانية انفتاح الحياة على ما يتجاوز المادة دون الوقوع في الثنائية التقليدية.

خامسًا، في فهم الموت والنقص: عند نيتشه، المعاناة والموت جزءان ضروريان من الاقتدار، ويجب احتضانهما. عند برجسون، هما تعبير عن مقاومة المادة للاندفاع الحيوي، والخلق يسعى إلى تجاوزهما تدريجيًا عبر الوعي والحرية.

خاتمة:

تكشف المقارنة بين إرادة الاقتدار والتطور الخلاق عن توتر خلاق داخل الفلسفة الحديثة في فهمها للدافع إلى الحياة. نيتشه يقدم رؤية درامية بطولية ترى الحياة كإرادة متفجرة تخلق من خلال الصراع والتأكيد الذاتي. برجسون يقدم رؤية أكثر تدفقًا وإبداعًا ترى الحياة كاندفاع داخلي يخلق أشكالًا جديدة في مدة مستمرة. كلاهما يحرر الحياة من الاختزالات العلمية والأخلاقية التقليدية، ويعيدان إليها طابعها الديناميكي الأصيل. عندئذ يمكن القول إن الدافع إلى الحياة، في ضوء هذه المقارنة، ليس واحدًا بل متعدد الأبعاد: فهو قوة اقتدار وصراع، وهو في الوقت نفسه اندفاع خلاق وتدفق زمني. الفهم الأعمق ربما يكمن في الجمع بين البعدين دون اختزال أحدهما إلى الآخر: الحياة تريد أن تقتدر، لكنها تقتدر من خلال الخلق المستمر، والخلق نفسه يتطلب قوة وتجاوزًا للمقاومات. بهذا، يصبح الدافع إلى الحياة ليس مجرد بقاء أو لذة أو تكيف، بل حركة دائمة نحو المزيد من الوجود والوعي والشكل والحرية. هذه الحركة هي ما يجعل الفلسفة نفسها ممكنة، وما يدعو الإنسان إلى أن يعيش حياته لا كمعطى جاهز، بل كإبداع مستمر. فكيف سارت الفلسفة المعاصرة مع جيل دولوز نحو ايجاد فهم مركب للدافع إلى الحياة ينتصر على ارادة العدمية؟

كاتب فلسفي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.