قصيدة في ذاكرةٍ تصوّت للنسيان….قلم : عبد الجليل ابوالزهور 

96
قلم : عبد الجليل ابوالزهور 

 

 

 

انْتَهَى شُتَنْبَرُ…
طَوَى الْمُرَشَّحُونَ خَرَائِطَهُمْ، وَغَسَلُوا أَيْدِيَهُمْ مِنْ غُبَارِ الْقُرَى، وَعَادُوا إِلَى مَدَائِنِهِمْ، وَتَرَكُوا الْجَبَلَ لِوَحْدَتِهِ، وَالْفَقِيرَ لِجُوعِهِ، وَالطَّرِيقَ لِمَا تَكْتُبُهُ السُّيُولُ.
انْتَهَى شُتَنْبَرُ… وَانْتَهَى مَوْسِمُ الْأَيْدِي الْمَمْدُودَةِ، وَالِابْتِسَامَاتِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَالْوُعُودِ الَّتِي كَانَتْ أَطْوَلَ مِنَ الطُّرُقِ، وَأَقْصَرَ مِنْ عُمْرِ خَيْبَةٍ.
جَاءُوا… وَمَعَهُمُ الشُّيُوخُ وَالْمُقَدِّمُونَ، وَالْأَعْيَانُ وَحُرَّاسُ الْمَصَالِحِ، وَأَسْوَاقٌ صَغِيرَةٌ لِلذِّمَمِ، وَأَيْدٍ تَعْرِفُ كَيْفَ تَزِنُ الْفَقْرَ وَكَيْفَ تَشْتَرِي الصَّمْتَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ.
قَالُوا: صَوِّتُوا… وَكَانَ الْخُبْزُ يَصْرُخُ فِي الْبُيُوتِ، وَكَانَتِ الْأَسْعَارُ تَعْلُو كُلَّ صَبَاحٍ، وَكَانَ الْأَبُ يَحْسِبُ مَا تَبَقَّى مِنْ أُجْرَتِهِ، وَتُخْفِي الْأُمُّ دَمْعَتَهَا كَيْ لَا يَرَاهَا الصِّغَارُ.
قَالُوا: صَوِّتُوا… فَنَسِيَ بَعْضُهُمْ مَنْ رَفَعَ الْأَسْعَارَ، وَنَسِيَ بَعْضُهُمْ مَنْ أَغْلَقَ الْأَبْوَابَ، وَنَسِيَ بَعْضُهُمْ خَمْسَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْقَهْرِ وَالِانْتِظَارِ.
وَمَضَوْا إِلَى الصَّنَادِيقِ، كَأَنَّهُمْ يَمْضُونَ إِلَى عُرْسٍ، وَعَادُوا مِنْهَا وَفِي أَيْدِيهِمْ لَا شَيْءَ، وَفِي ذَاكِرَتِهِمْ ثُقُوبٌ، وَفِي الْأُفُقِ مَوْعِدٌ جَدِيدٌ لِلْخَيْبَةِ.
ثُمَّ جَاءَ أُكْتُوبَرُ…
لَمْ يَحْمِلْ بَيَانًا، لَمْ يَحْمِلْ صُورَةَ مُرَشَّحٍ، لَمْ يَطْلُبْ تَزْكِيَةً مِنْ أَحَدٍ.
جَاءَ بِغَيْمَةٍ، وَرَعْدٍ، وَرَعْدٍ آخَرَ…
ثُمَّ انْفَتَحَتِ السَّمَاءُ!
وَانْهَالَ الْمَاءُ مِنْ فَوْقِ الْجِبَالِ، وَانْدَفَعَ مِنْ بَطْنِ الشِّعَابِ، وَجَرَفَ الطُّرُقَ، وَاقْتَلَعَ الْمَمَرَّاتِ، وَطَرَقَ أَبْوَابَ الْبُيُوتِ بِقَسْوَةٍ، وَاقْتَحَمَ الْحُقُولَ، وَسَحَبَ الْمَحَاصِيلَ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ الْفَلَّاحِ.
يَا لَلْمُفَارَقَةِ!
أَرْضٌ تَنْتَظِرُ الْمَاءَ، فَإِذَا بِالْمَاءِ يَأْخُذُ أَرْضَهَا.
فَلَّاحٌ يَرْجُو الْمَوْسِمَ، فَإِذَا بِالْمَوْسِمِ يَدْفِنُ حُلْمَهُ.
طِفْلٌ يَحْفَظُ طَرِيقَ الْمَدْرَسَةِ، فَإِذَا بِالطَّرِيقِ يَغْرَقُ، وَأُمٌّ تُحْصِي أَبْنَاءَهَا، وَأَبٌ يُحْصِي خَسَائِرَهُ، وَجَبَلٌ يَغْسِلُ وَجْهَهُ بِالْمَطَرِ، وَلَا يَجِدُ مَنْ يَمْسَحُ عَنْهُ الطِّينَ.
أَيْنَ أَنْتُمْ؟
يَا مَنْ مَرَرْتُمْ مِنْ هُنَا فِي شُتَنْبَرَ، يَا مَنْ صَافَحْتُمُ الْأَيْدِيَ، وَعَدَدْتُمُ الْأَصْوَاتَ، وَرَفَعْتُمُ الْوُعُودَ فَوْقَ رُؤُوسِ النَّاسِ!
أَيْنَ أَنْتُمْ وَالطَّرِيقُ مَقْطُوعَةٌ؟ أَيْنَ أَنْتُمْ وَالْبُيُوتُ مُثْقَلَةٌ بِالطِّينِ؟ أَيْنَ أَنْتُمْ وَالْحَقْلُ يَبْكِي مَحْصُولَهُ؟ أَيْنَ أَنْتُمْ حِينَ لَا تَكُونُ هُنَاكَ صَنَادِيقُ، وَلَا كَامِيرَاتٌ، وَلَا أَيْدٍ تَنْتَظِرُ الْمُقَابِلَ؟
أَجِيبُوا…
أَمْ أَنَّ أَصْوَاتَكُمْ غَرِقَتْ هِيَ الْأُخْرَى فِي فَيْضَانِ الْوُعُودِ؟
يَا أَيُّهَا النَّاسُ…
لَا تَلُومُوا الْمَطَرَ، فَالْمَطَرُ لَا يَعِدُ، وَلَا يَكْذِبُ، وَلَا يَطْلُبُ صَوْتًا مِنْ أَحَدٍ.
وَلَا تَلُومُوا الْجَبَلَ، فَالْجَبَلُ لَمْ يَتَعَلَّمِ الْمَكْرَ، وَلَمْ يَبِعْ صَوْتَهُ، وَلَمْ يَنْسَ مَنْ جَاعَ فِي ظِلِّهِ.
لَكِنْ… مَاذَا عَنْ ذَاكِرَتِكُمْ؟
مَاذَا عَنْ خَمْسِ سَنَوَاتٍ كَانَ الْغَلَاءُ فِيهَا يَأْكُلُ أَعْمَارَكُمْ، وَكَانَ الْوَعْدُ يَأْكُلُ عُقُولَكُمْ، وَكَانَ الْفَقْرُ يَأْكُلُ مَا تَبَقَّى مِنْ كَرَامَتِكُمْ؟
كَيْفَ نَسِيتُمْ؟
كَيْفَ صَارَتْ صُورَةٌ عَلَى وَرَقَةٍ أَقْوَى مِنْ ذَاكِرَةِ الْجُوعِ؟ كَيْفَ صَارَتْ مُصَافَحَةٌ عَابِرَةٌ أَقْوَى مِنْ وَجَعِ السِّنِينَ؟ كَيْفَ صَارَ الصَّوْتُ الَّذِي مَنَحْتُمُوهُ أَغْلَى مِنْ صَوْتِكُمْ حِينَ تَسْتَغِيثُونَ؟
سَتَنْحَسِرُ الْمِيَاهُ، وَسَتَطْلُعُ الشَّمْسُ مِنْ جَدِيدٍ، وَسَيَجِفُّ الطِّينُ عَلَى الْجُدْرَانِ، وَسَيَعُودُ الْفَلَّاحُ إِلَى أَرْضِهِ، يُلَمْلِمُ مَا تَبَقَّى مِنْ مَوْسِمِهِ، وَيَغْرِسُ فِي الْأَرْضِ أَمَلًا آخَرَ.
سَتُصْلَحُ بَعْضُ الطُّرُقِ، وَتُرْمَمُ بَعْضُ الْبُيُوتِ، وَسَتَسْكُتُ الرُّعُودُ، لَكِنَّ سُؤَالًا وَاحِدًا سَيَبْقَى مُعَلَّقًا فِي الْهَوَاءِ:
مَنْ يَجْرُفُ مَنْ؟
أَتَجْرُفُ السُّيُولُ الطُّرُقَ، أَمْ يَجْرُفُ النِّسْيَانُ الْوَعْيَ؟
أَيَغْمُرُ الْمَاءُ الْحُقُولَ، أَمْ تَغْمُرُ الْوُعُودُ الْحَقِيقَةَ؟
أَيَهْدِمُ الْفَيْضَانُ الْبُيُوتَ، أَمْ يَهْدِمُ الصَّمْتُ مَا تَبَقَّى مِنَ الْكَرَامَةِ؟
وَسَيَأْتِي شُتَنْبَرُ آخَرُ…
سَتُفْتَحُ الْأَبْوَابُ، وَتُرْفَعُ الصُّوَرُ، وَتَعُودُ الْوُجُوهُ، وَتَعُودُ الْوُعُودُ، وَتَعُودُ الْأَيْدِي لِتَطْرُقَ أَبْوَابَ الْفُقَرَاءِ.
وَسَيَقُولُونَ: هَذِهِ مَرَّةٌ مُخْتَلِفَةٌ…
فَتَذَكَّرُوا!
تَذَكَّرُوا الطَّرِيقَ حِينَ انْقَطَعَتْ، وَالْحَقْلَ حِينَ غَرِقَ، وَالْبَيْتَ حِينَ دَخَلَهُ الْمَاءُ، وَالطِّفْلَ حِينَ لَمْ يَجِدْ طَرِيقَهُ إِلَى الْمَدْرَسَةِ.
تَذَكَّرُوا أَنَّ الَّذِي اشْتَرَى صَوْتَكُمْ فِي شُتَنْبَرَ لَمْ يَشْتَرِ لَكُمْ جِسْرًا، وَأَنَّ الَّذِي وَعَدَكُمْ بِالْجَنَّةِ تَرَكَهُمْ وَحْدَهُمْ فِي الطِّينِ.
لَا تَجْعَلُوا ذَاكِرَتَكُمْ طَرِيقًا تَجْرِفُهُ السُّيُولُ، وَلَا تَجْعَلُوا حَاجَتَكُمْ بَابًا يَدْخُلُ مِنْهُ الطَّامِعُونَ.
فَإِنَّ الْمَطَرَ سَيَتَوَقَّفُ، وَالرَّعْدَ سَيَسْكُتُ، وَالطِّينَ سَيَجِفُّ…
أَمَّا النِّسْيَانُ، إِنْ تَرَكْتُمُوهُ يَجْرِي، فَلَنْ تَكْفِيَ لِإِيقَافِهِ كُلُّ سُدُودِ الْأَرْضِ.
\*\*فِي هَذَا الْوَطَنِ، لَيْسَ أَخْطَرَ مِنْ فَيْضَانِ الْمَاءِ إِلَّا فَيْضَانُ النِّسْيَانِ.\*\*
وَلَيْسَ أَقْسَى مِنْ طَرِيقٍ جَرَفَتْهَا السُّيُولُ، إِلَّا طَرِيقٌ يَخْتَارُهُ النَّاسُ بِأَيْدِيهِمْ، ثُمَّ يَمْشُونَ فِيهِ خَمْسَ سَنَوَاتٍ، وَعِنْدَ نِهَايَتِهِ… يَقِفُونَ أَمَامَ الْخَرَابِ، وَيَسْأَلُونَ:
مَنْ فَعَلَ بِنَا هَذَا؟
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.