نياشين … بلا سلاح  فصل : سقوط يبدأ من القدمين/ عبد الجليل ابو الزهور

1٬345
قلم : عبد الجليل ابو الزهور

 

 

 

لم يكن محمد يتصوّر أن السقوط قد يبدأ من القدمين.
كان يعتقد، مثل كثيرين، أن الانكسار يأتي من الأعلى: من الرأس، من فكرة خاطئة، أو من قرار أحمق، أو من خيانة واضحة. لم يخطر بباله قطّ أن ما يلامس الأرض أكثر، هو ما يجرّ صاحبه إليها، ببطء، وبلا ضجيج.
كان جنديًا في الجيش، متمركزًا في الأقاليم الجنوبية، حيث تتسع المسافات ويضيق المعنى.
سنوات قضاها هناك، بين الرمل والحرّ والانضباط، بعيدًا عن البلدة، بعيدًا عن زوجته ليلى، لا يعود إليها إلا في إجازاته السنوية، أيام قليلة تُضغط فيها الحياة كلها، ثم يعود الغياب ليملأ الفراغ من جديد.
لم تكن العلاقة مكسورة، لكنها كانت متآكلة، مثل حبل يُشدّ من طرف واحد زمنًا طويلًا.
كان يرتدي بزته كما يرتدي الناس أسماءهم: دون سؤال.
لم يكن بطلاً، ولم يكن خارج الصف.
كان يؤدي ما يُطلب منه، ويصمت.
تعوّد أن يضع جسده رهن الأوامر، وأن يترك قلبه معلّقًا في مكان آخر.
في مطار أكادير، صباح ذلك اليوم، لم يكن في الأفق ما ينذر بالانقلاب.
الحقائب تنساب على السيور، الوجوه تتبدل بلا أثر، والمذيع يعلن مواعيد لا تخص أحدًا بعينه.
كان محمد في طريق العودة إلى وحدته بعد إجازة قصيرة، واحدة من تلك الإجازات التي لا تكفي لترميم شيء، لكنها تكفي لفتح الشقوق.
الحذاء الذي كان ينتعله بدا عاديًا: بلغة تقليدية، صنع يدوي، شيء يشبه القرية أكثر مما يشبه المطار.
لكنه كان أثقل مما ينبغي.
ثقل لا يُقاس بالميزان، بل بما يخفيه.
حين أوقفوه للتفتيش، وقف كما يقف الجنود عند النداء:
ظهر مستقيم، عينان شاردتان، جسد يعرف الطاعة أكثر مما يعرف الاعتراض.
لم يحتجّ، لم يرفع صوته، لم يسأل لماذا.
وحين فُتح الحذاء، انفتح معه مسار آخر للحياة، مسار لم يكن في الحسبان.
القنب الهندي كان محشوًا بعناية، كأن الجرم اختار أن يختبئ في أكثر الأشياء تواضعًا، في ما يلامس الأرض أولًا.
قال لهم إنه جندي.
لم تنفعه الكلمة.
قال إن الحذاء ليس من صنعه.
لم يسمعه أحد.
في لحظة واحدة، صار الاسم تهمة،
وصارت البزة عبئًا،
وصار الانضباط شاهدًا صامتًا لا يدافع.
التحقيق طال أكثر مما يحتمل الصبر، والمحاكمة جاءت أقصر مما يجب للعدل.
الحكم لم يسجنه فقط، بل فصله من الجيش، اقتلع عمله من جذوره، وتركه بلا رتبة، بلا جهة، بلا مستقبل واضح.
خرج من السجن أخفّ وزنًا، وأثقل روحًا.
المدينة نفسها، لكن بعينين جديدتين، عينين لا تعرفان أين تستقران.
زوجته ليلى كانت هناك، لكنها بعيدة.
المسافة التي صنعتها سنوات الجنوب، صنعت الآن فراغًا أكبر.
لم تكن خيانة، ولا خصومة، بل تعب طويل من الانتظار، وصمت طويل من الغياب.
كل واحد منهما كان في مكان مختلف، حتى وهما تحت سقف واحد.
لم يبقَ لمحمد سوى المغارة.
مغارة بامي نوغيول، التي يعرفها القلّة باسم تيفريت نمين غيول.
جرف صخري، وبقايا حياة.
في جوفها مغارة أصغر، جعل منها مأوى، لا بيتًا.
فرش الأرض بأوراق كرتون مهترئة، لا تحمي الجسد بقدر ما تذكّره بضعفه.
صنع طاولة بدائية من خشب مهشم، وضع فوقها شمعة، وألبومًا قديمًا، كان أثقل ما في المكان.
لم يكن ثقل الألبوم من حجمه، بل مما يحتفظ به.
كان يفتحه أحيانًا بحذر، كما لو أن الصفحات قادرة على إيقاظ ما نام طويلًا.
صفحات سميكة، مصفرة عند الحواف، تفوح منها رائحة الرطوبة والملح معًا.
في الصور الأولى، يظهر محمد كما لم يعد موجودًا:
جسد مشدود، كتفان مستقيمان، وعينان تعرفان أين تنظران.
في إحداها، كان بكامل عتاده العسكري، رشاش كلاشنيكوف روسي الصنع معلّق على صدره.
السلاح أثقل من ابتسامته، لكنه كان يحمله بثقة من يظن أن الحديد يحمي صاحبه من السقوط.
وفي صورة أخرى، كان منبطحًا على بطنه، ملتصقًا بالأرض، كأنه يترصّد عدوًا لا يُرى.
وجهه قريب من التراب، قريب إلى الحد الذي يجعل الأرض تبدو حليفة، لا خطرًا.
كان يتوقف طويلًا عند هذه الصورة، كأنها كانت نبوءة صامتة:
رجل تعلّم الانبطاح قبل أن يتعلّم السقوط.
ثم صور فوق شاحنات نقل الجنود، واقفًا بين رفاقه، الغبار يعلو الوجوه، والضحك يعلو فوق الخوف.
هناك، كان الزمن جماعيًا، مشتركًا، لا يترك أحدًا وحيدًا.
وفي صفحات لاحقة، صور أخرى أقل صرامة.
محمد على الشاطئ، بملابس مدنية، قدماه في الرمل، جسده مستلقٍ على اللامبالاة.
البحر خلفه، مفتوح، بلا أوامر، بلا حدود.
كان يبدو سعيدًا، أو كأنه يتدرّب على السعادة قبل أن تُسحب منه.
ثم صور لا يعرف إن كان عليه أن يخجل منها أو يبتسم لها.
هو جالس، وأمامه قنينات الجعة، أو المبيد الأحمر، الضحك متكئ على التعب، والنظرة زائغة قليلًا،
كأن الكأس كانت تحاول أن تُفرغ ما عجزت عنه السنوات.
كان يقلب الصور ببطء، لا ليستعيدها، بل ليتأكد أنها حدثت فعلًا.
أن ذلك الرجل، المسلح حينًا، والمنبطح أرضًا حينًا آخر،
والمستمتع بالشاطئ أو بالكأس،
هو نفسه الرجل الذي يشعل شمعة في مغارة،
ويعدّ الأيام بلا رتبة، بلا سلاح،
وبلا جيش يعود إليه.
المغارة لم تكن خالية.
الحشّاشون اتخذوها ملاذًا.
أحد تجار الكيف صار زائرًا دائمًا، يقطع، ويعدّ، ولا يسأل.
ومحمد لا يعترض.
صار المكان يشبهه: بلا حراسة، بلا سؤال.
غالبًا لا يغادر الجرف قبل الزوال.
يتسلّقه ببطء، كأن كل خطوة امتحان لجدوى الاستمرار.
يسلك الطريق نحو وسط المدينة، يمرّ على المحلات وبائعي الخضر ممن يعرفونه من زمن آخر.
كل واحد يمنحه ما جادت به يده، دون فضول، دون أسئلة.
عند العصر، يحطّ في سدة مقهى أغلال، المقهى الوحيد تقريبًا في الشارع الرئيسي.
هناك، يجتمع الحشّاشون من كل الطبقات: موظفون، طلبة، تلاميذ، حرفيون.
القاسم المشترك بينهم ليس الكلام، بل الدخان.
كان محمد يختار دائمًا المقعد المقابل للتلفاز.
يتابع الأخبار بتركيز مبالغ فيه.
ومع كل خبر عن قتل أو ظلم، يهزّ رأسه، يفتح فمه كمن يكتم صرخة، ويهمس:
— أويس الحرام… إيكا أفقير نغانت. عدمنت
—( قتلوه اعدموه ابن الحرام… أفقير. كان الناس) يظنون أنه يعلّق على الخبر.
لم يكونوا يعلمون أنه يعلّق على نفسه، على الحذاء، على المطار، على اللحظة التي بدأ فيها كل شيء من تحت قدميه.
حين يثقل عليه النظر، كان يغلق الألبوم بهدوء.
لا لأن الذكريات انتهت، بل لأنه لم يعد يحتمل المزيد منها.
يترك الشمعة تواصل احتراقها، ويستسلم لصمت المغارة.
صمت يشبهه:
لا يحتجّ، ولا ينسى. ومع ذلك، في بعض الليالي، كان يشعر أن شيئًا لم ينكسر تمامًا.
شيء صغير، عنيد، يشبه نياشين قديمة بلا سلاح…
لا تحمي صاحبها، لكنها ترفض السقوط من الذاكرة.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.