حين تصفق الجماهير… وتسقط المعاني إيناير بدمنات نموذجًا لسيكولوجية الرداءة

789

قلم : أبو الزهور عبد الجليل 

 

 

 

ليس ما جرى في دمنات بمناسبة الاحتفال بإيناير حدثًا معزولًا، ولا زلّة تنظيمية عابرة، بل هو تجسيد مكثف لأزمة حضارية عميقة تعيشها المدينة، ويعيشها الوطن ككل؛ أزمة يمكن فهمها فقط بالعودة إلى ما نظّر له غوستاف لوبون في كتابه المرجعي سيكولوجية الجماهير، وما عمّقه لاحقًا مفكرون من حجم مصطفى حجازي، عبد الله العروي، ومحمد أركون.

لقد تحوّل الاحتفال، كما قُدّم للرأي العام، إلى فرجة بلا معنى، وإلى طقس فولكلوري منزوع الدسم الثقافي والتاريخي والسياسي، تُرفع فيه الشعارات أكثر مما تُطرح الأسئلة، وتُلتقط فيه الصور أكثر مما تُبنى الأفكار.

تكريم بلا أثر… واحتفاء بلا مشروع

حين تُكرَّم وجوه لم تقدم قيد أنملة لا للمدينة ولا للوطن، وحين تُنفخ المناسبات أكثر من حجمها الحقيقي، فإننا لا نكون أمام فعل ثقافي أو رمزي، بل أمام تدوير للفراغ وإعادة إنتاج للرداءة في ثوب احتفالي.

الأخطر من ذلك أن التغطية الإعلامية، سواء من بعض المواقع الإلكترونية أو من القناة الأولى، جاءت فوق اللزوم، لا لتعميق النقاش أو مساءلة الجدوى، بل لتكريس منطق الصورة على حساب المعنى، والحدث على حساب الفكرة.

الجسد بدل الفكرة: انتصار سيكولوجية الجماهير

لم يكن الإعجاب بمقدمة ومنشطة الحفل نابعًا مما قيل أو طُرح، بل مما عُرض بصريًا: القامة، الحركات، الجسد.

وهنا نبلغ جوهر ما تحدث عنه لوبون:

الجماهير لا تُفكّر، بل تنفعل؛ لا تحاكم المعنى، بل تستهلك الصورة.

حين تصبح المقدمة أهم من المضمون، والشكل أسبق من الفكرة، نكون أمام انحدار ثقافي خطير، لا علاقة له لا بإيناير ولا بالهوية الأمازيغية، بل بثقافة الاستهلاك الرمزي.

إيناير بلا ذاكرة… وبلا سؤال

إيناير ليس رقصة، ولا منصة، ولا زينة بروتوكولية.

إيناير هو:

سؤال الأرض

سؤال الذاكرة

سؤال اللغة

سؤال العدالة المجالية

سؤال التاريخ الذي لم يُنصف بعد

لكن ما قُدّم في دمنات كان إيناير منزوع السياسة، منزوع العمق، منزوع القلق؛ إيناير صالح للفرجة، لا للتفكير، وللتصفيق لا للمساءلة.

نخب محلية بلا بوصلة

ما يزيد الوضع قتامة هو غياب نخب فكرية حقيقية قادرة على تدبير الاختلاف، وطرح الأسئلة، ومواجهة الرداءة.

نخب استسهلت التموقع داخل البروتوكول، وفضّلت السلامة الرمزية على الصدام الفكري، فكانت النتيجة:

ثقافة بلا مثقفين، واحتفال بلا رؤية، ومدينة تُستعمل كخلفية للصور لا كموضوع للنقاش.

دمنات ليست استثناء

ما وقع في دمنات هو نسخة مصغرة لما يحدث وطنيًا:

تمجيد التفاهة

تهميش المعرفة

تضخيم الفارغ

وتسويق الرداءة باعتبارها نجاحًا

إننا لا نعاني من قلة الإمكانيات، بل من فقر في الخيال السياسي والثقافي، ومن عجز عن تحويل المناسبات إلى فرص لبناء الوعي الجماعي.

كلمة دمنات الرسالة

لسنا ضد الاحتفال،

لسنا ضد إيناير،

ولسنا ضد الفرح الجماعي.

نحن ضد:

الاحتفال بلا معنى

التكريم بلا استحقاق

الإعلام بلا سؤال

والثقافة حين تتحول إلى ديكور

دمنات تحتاج اليوم إلى: ثقافة تُزعج،

وفكر يُحرج،

ومعرفة تُقلق السلطة والجماهير معًا.

أما التصفيق…

فقد أتقنته الجماهير منذ زمن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.