امرأة من الجنوب..قلم : عبدالقادر كلول

762

قلم :

 

 

تقطن في حينا امرأة سنغالية، من أولئك الذين جاءت بهم الأقدار مهاجرين غير نظاميين، لا يملكون من أوراق الإقامة شيئًا، لكنهم يحملون في صدورهم ما يكفي من الكرامة ليقيموا بها وزنًا لحياتهم. امرأة نشيطة، مواظبة، تبدأ يومها بكنس الأزقة وتنظيف عتبات البيوت، دون أن تمد يدها لطلب صدقة، ودون أن تستجدي نظرة شفقة. حين يتعب جسدها، تجلس على عتبة منزل لتلتقط أنفاسها، أو لتقتات مما يجود به العابرون من طعام، ثم تعود لتستأنف عملها بنفس الحيوية، بنفس الإتقان، كأنها موظفة في عقد عمل رسمي، لا امرأة تكافح وحيدة في الهامش.
كانت شابة في مقتبل العمر، وفي مثل سنها تفكر كثيرات في طرق أسهل وأسرع لجني المال. كان بإمكانها، لو أرادت، أن تمتهن حرفة تدر عليها أضعاف ما تناله من مكرمات أهل الحي. كان بإمكانها أن تسلك أقدم المهن التي مارستها النساء عبر العصور، تلك التي أنقذت كثيرات في مجتمعنا من قسوة الحرمان وضيق ذات اليد، وراكمت لغيرهن ثروات ونفوذًا، وفتحت أبوابًا موصدة في الفنادق المصنفة والكباريهات المضيئة. لكنها لم تفعل. اختارت طريقًا آخر، طريقًا مفروشًا بالشرف، ومبللًا بالعرق، لتكسب قوت يومها بالحلال.
كنت أمر بها فأحييها بلغتها الفرنسية مبتسمًا، فترد بابتسامة خجولة، نقية، تكشف معدنًا أخلاقيًا نادرًا. كانت تحاول جاهدة أن تنطق ببعض الكلمات العربية، لا لتُتقن اللغة، بل لتقول لي د، دون أن تنطق، إنها تنتمي، أو على الأقل تحاول الانتماء إلى هذا المجتمع.
 لم يكن يحزنني واقعها القاسي، فقد أدركت أن الظروف وحدها هي التي قادتها إلينا من بلد لم يوفر لها الحد الأدنى من كرم العيش. ما كان يحزنني حقًا، هو ما جرى بعدها.
بعد المباراة المشؤومة بين المغرب والسنغال، غابت عن الحي أيامًا. وحين عادت، عادت بوجه مغطى. لم تعد تكشف عن ملامحها كما كانت تفعل. يومها فهمت كل شيء. تشنجت النفوس، وعلت صيحات الانتقام الأعمى، وتحوّل الغضب إلى حقد يوزَّع بسخاء على كل سنغالي أسود البشرة، يسترزق الله في شوارع طنجة وأحيائها، دون تمييز بين مذنب وبريء.
أحزنني أن تزر وازرة وزر أخرى، وأن يدفع الأبرياء ثمن ما لا يد لهم فيه. أحزنني أن يجعل الغضب بعضنا يضرب عرض الحائط ما راكمه المغاربة عبر التاريخ من قيم النجدة، وإغاثة الملهوف، وإكرام عابر السبيل، وحب الناس في الله. أحزنني أن تستطيع كرة القدم، في لحظة انفعال، أن تنزع عنا قشرة الحضارة، وتلقينا في درك سحيق من العنصرية وكراهية الآخر، فقط لأن لقبًا ضاع.
لم يضع اللقب وحده، بل ضاعت معه لحظة إنسانية كان ينبغي أن ننتصر فيها لأنفسنا قبل أي شيء. ضاعت صورة بلد طالما افتخر بإنسانيته، وبكونه ملاذًا للضعفاء قبل الأقوياء. تلك المرأة السنغالية لم تكن تبحث عن تعاطف، ولا عن بطولة، كانت فقط مرآة صامتة، عكست لنا ما نحن عليه حين ننسى أنفسنا.
لعل قصتها تذكرنا بأن الكرامة لا جنسية لها، وأن الشرف لا لون له، وأن أقسى الهزائم ليست تلك التي تُمنى بها المنتخبات، بل تلك التي نخسر فيها إنسانيتنا.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.