في الرد على المدعو الريسوني: الأمازيغ ليسوا صهاينة…قلم : حسن تزوضى 

79

قلم :  حسن تزوضى 

يبدو أن بعض العقول ما تزال سجينة قاموس سياسي قديم، قاموس يعود إلى زمن كانت فيه الشعارات أعلى من الواقع، وكانت الخطابات القومية تُقدَّم باعتبارها حقائق مطلقة لا يجوز مساءلتها. ومن داخل هذا الأفق المتآكل، يخرج علينا المدعو الريسوني ليتهم الأمازيغية، أو جزءا من الفعل النضالي الأمازيغي، بالصهيونية، وكأن الدفاع عن الهوية المغربية الأصيلة صار جريمة فكرية تستوجب التخوين والتشنيع.
لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هنا هو: من الذي طبع مع إسرائيل فعليا؟
هل الأمازيغ هم من وقّعوا الاتفاقيات الرسمية؟
هل الحركة الأمازيغية هي التي تمتلك الدولة وأجهزتها ومؤسساتها السيادية،أم أن الأنظمة التي رفعت لعقود شعارات “العروبة” و”الوحدة العربية” هي نفسها التي هرولت إلى التطبيع السياسي والاقتصادي والأمني؟
المفارقة الساخرة أن الذين يتهمون الأمازيغ بالصهيونية يفعلون ذلك من داخل فضاء سياسي عربي يعيش أكبر لحظة انهيار أخلاقي وتاريخي في تاريخه الحديث. فمعظم الأنظمة العربية اليوم إما مطبعة بشكل مباشر مع إسرائيل، أو مرتبطة بها ضمنيا عبر المصالح والتحالفات الدولية. بل إن التطبيع في المغرب نفسه تم بتوقيع رئيس حكومة إسلاموي ذي مرجعية عروبية، لا أمازيغية. ولذلك فإن محاولة إلصاق “الصهيونية” بالأمازيغ ليست سوى عملية هروب من مواجهة الواقع، وتعويض للعجز الفكري بنظرية المؤامرة.
الريسوني ومن يشبهه ما يزالون يتحدثون عن “العالم العربي” وكأنه كتلة تاريخية موحدة تمتلك قرارها السيادي وتحدد مصير العالم، بينما الحقيقة أن هذا “العالم العربي” لم يعد اليوم سوى تعبير شاعري يعيش في الخطب الرومانسية والبلاغة الإيديولوجية القديمة. أما الواقع السياسي الفعلي فتحكمه المصالح الدولية، والتوازنات الاقتصادية، والاصطفافات الجيوسياسية، لا الشعارات الحماسية التي تعود إلى سبعينيات القرن الماضي.
إن اختزال النضال الأمازيغي في “مشروع صهيوني” ليس فقط خطأ سياسيا، بل هو أيضا انحطاط أخلاقي وفكري. لأن هذا الطرح يرفض فهم الظواهر الاجتماعية في سياقاتها التاريخية والموضوعية، ويفضل بدل ذلك اللجوء إلى تفسير كسول يقوم على التخوين. والحال أن العودة القوية إلى الأمازيغية خلال العقود الأخيرة ليست مؤامرة، بل نتيجة طبيعية لتراكم طويل من التهميش الثقافي واللغوي والرمزي الذي تعرض له الأمازيغ داخل وطنهم.
لقد شعر كثير من المغاربة الأمازيغ بأن ذاكرتهم تُمحى، وأن لغتهم تُقصى، وأن هويتهم تُقدَّم باعتبارها مجرد هامش داخل سردية قومية عروبية سعت إلى اختزال المغرب في بعد واحد. ومن الطبيعي، تاريخيا وسوسيولوجيا، أن تنتج كل عملية إقصاء حركةَ مقاومةٍ ثقافية وهوياتية تسعى إلى استعادة الاعتبار للذات. وهذا ما حدث بالضبط مع الحركة الأمازيغية.
ثم إن الحركات الاجتماعية والتحررية عبر التاريخ لم تكن يوما كتلا متجانسة أو طاهرة بشكل مطلق. ففي كل حركة توجد تيارات متناقضة، ورؤى متصارعة، وأفراد يحملون مواقف مختلفة، أحيانا متعارضة. وجود بعض الأشخاص المتعاطفين مع إسرائيل داخل فضاء أمازيغي ما لا يعني إطلاقا أن الأمازيغية مشروع صهيوني، تماما كما أن وجود متطرفين داخل تيار معين لا يجعل التيار كله متطرفا.
ولو طبقنا منطق الريسوني نفسه على التاريخ، لوجدنا أن بدايات القومية العربية ذاتها ارتبطت، في بعض مراحلها، بالدعم الغربي ضد الإمبراطورية العثمانية. فهل يعني هذا أن القومية العربية كانت مشروعا استعماريا بالكامل؟ طبعا لا. لأن الظواهر التاريخية أكثر تعقيدا من اختزالها في تهمة جاهزة.
إن الدفاع عن الأمازيغية لا يعني العداء لفلسطين، كما أن مناهضة إسرائيل لا تعني بالضرورة تبني القومية العربية. هناك أمازيغ يساريون، ديمقراطيون، قوميون، علمانيون، إسلاميون، وضمنهم من يرفض إسرائيل بشكل جذري ويدافع في الوقت نفسه عن أمازيغية المغرب. فهل هؤلاء أيضا “صهاينة” فقط لأنهم يطالبون بالاعتراف بلغتهم وثقافتهم وذاكرتهم التاريخية؟
المشكل الحقيقي لدى بعض الخطابات العروبية التقليدية أنها اعتادت النظر إلى الأمازيغية بعين الريبة، لأنها لم تستوعب بعد أن المغرب ليس نسخة من المشرق، وأن الهوية المغربية أعمق وأكثر تركيباً من الاختزال الإيديولوجي. فالمغرب لم يكن يوما أحاديا، بل تشكل تاريخيا من روافد متعددة، وفي قلبها الرافد الأمازيغي باعتباره البنية الحضارية الأصلية لهذا المجال الجغرافي.
ثم إن من المفارقات المؤلمة أن الأمازيغية اليوم لا تعيش وضعا مريحا كما يتخيل البعض. فحتى بعد الاعتراف الدستوري بها، ما تزال تعاني من التهميش والتوظيف السياسي والبيروقراطي، بل وحتى من بعض الذين يدّعون الدفاع عنها. لذلك فإن تصويرها كقوة مهيمنة أو كمشروع اختراق صهيوني ليس سوى وهم إيديولوجي منفصل عن الواقع.
في النهاية، لا يحتاج المغرب إلى مزيد من خطابات التخوين والكراهية. ما يحتاجه فعلا هو نقاش فكري ناضج يعترف بالتعدد، ويحترم الاختلاف، ويتجاوز العقلية التي ترى في كل مطالبة بالكرامة الثقافية مؤامرة خارجية. لأن الأمم القوية لا تُبنى بالقمع الرمزي ولا بإلغاء الذاكرة، بل بالاعتراف المتبادل والمصالحة مع الذات التاريخية.
أما الأمازيغ، فلم يكونوا يوما صهاينة، ولن يحتاجوا إلى شهادة وطنية من أحد. إنهم جزء أصيل من تاريخ هذا البلد، من جباله ولهجاته وذاكرته ومقاوماته وأحلامه. ومن العبث تحويل نضالهم الثقافي إلى شماعة تعلق عليها التيارات المهزومة أزماتها الفكرية والسياسية.
وفي الأخير، لا يسعنا إلا أن نقول:
الله يعفو على لي تلفو… وعلى من ما يزال يعيش بعقل السبعينات في عالم تغيّر بالكامل.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.