استعمال ترامب للخطاب الديني هل هي عودة إلى اللاهوت السياسي..حميد عسلي

64

قلم : حميد عسلي

 

 

في وقتنا الحالي هذا، يمكن القول بأن النظام الدولي يشهد تحولات ربما قد تكون عميقة وجوهرية، فهذه التغييرات لا تقتصر على موازين القوة أو أنماط الصراع التي بتنا نشهدها، بل تمتد إلى الخطاب الذي يعطي للفعل السياسي أو القرار الحربي “مشروعيته”. ففي سياق التوترات العسكرية الأخيرة، ولا سيما فيما يتعلق بالحرب ضد إيران، برز خطاب سياسي جديد – قديم يستخدم مفردات دينية صريحة في وصف الحرب وتبريرها، كما يظهر ذلك جليا في تصريحات دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. هذا التحول ليس فقط في مستوى الرسائل والخطب السياسية، بل يطرح سؤالا أعمق حول طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة في المستقبل.

فمعلوم أو على الأقل ظاهريا يعتمد الفكر السياسي الحديث على فرضية العلمانية، أي انحسار الدين عن المجال العام وتحوله إلى شأن فردي وحرية شخصية خصوصا في الدول الغربية المتشبعة بهذا الفكر. ومع ذلك، فالتطورات الحالية توحي بأنه بدلاً من اختفاء الدين، يبدو أنه يعود إلى قلب الفعل السياسي كأداة ومحرك مركزي في إنتاج “الشرعية” وتبرير الصراع.

خطاب وتصرفات الرئيس دونالد ترامب نموذج دال على عودة اللاهوت السياسي[1]  في صيغته المعاصرة، حيث يتحول توظيف المفردات الدينية إلى أداة لتبرير الفعل السيادي، واستعمال القوة ضد “الأشرار”، واستدعاء النصوص التراثية لإعطائه مكانة القداسة ، وبذلك فقد أصبح هذا التداخل بين القرار العسكري والمعجم اللاهوتي فعلا غير قابل للنقاش لا مجرد رأي سياسي يصيب ويخطئ، كما ان الحضور الديني الذي أصبحنا نشاهده عبر تأدية طقوس دينية داخل البيت الأبيض بحضور وازن للقادة العسكريين والسياسيين يتوسطهم ترامب وتحت إشراف وسيطة روحية، هي من المشاهد التي تنسف مفهوم العلمانية والفكر الغربي بهذا الخصوص، مما يدفع إلى التفكير وطرح التساؤل، هل يشير هذا التوظيف إلى بداية نهاية العلمانية، أم أنه يعكس فقط تحولا في أشكالها ووظائفها، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد شعبوية وغياب بوصلة في استعمال السلطة ؟

يمكن القول إن هذا الفعل قد يشكل “ظاهرة” تجعل من الفعل السياسي حدثا ذا بعد أخلاقي وميتافيزيقي، حيث يكون الدين عنصرا محوريا في صياغة القرار الاستراتيجي دون أكبر اهتمام للقانون على المستوى الداخلي أوالدولي. وقد ترسخ هذا النموذج بشكل كبير خلال الولاية الثانية لدونالد ترامب. مما يستدعي إعادة النظر في الحدود التقليدية بين المقدس والسياسي، وفهم السياسة الحديثة بوصفها مساحة مفتوحة لتلاقي الدين بالقوة والسيادة والهوية القومية.

من الناحية النظرية، تؤكد هذه الظاهرة محدودية فرضية العلمنة الكلاسيكية، وتدعم أطروحات ما بعد العلمانية التي يقدمها يورغن هابرماس وخوسيه كازانوفا، إذ لا يختفي الدين عن المجال العام، بل يُعاد توظيفه بشكل وظيفي وسياسي، ليصبح أداة مركزية في صياغة الخطاب السياسي واستدامة السلطة. فهابرماس، يؤكد على أن المجتمعات رغم تطورها وحداثتها لم تصبح علمانية بالكامل والدين لا يزال حاضرا، لذلك يدعو إلى فكرة التعايش بينه وبين العقلانية من خلال الحوار وعلى الدولة أن تظل محايدة دينيا دون إقصائه من النقاش العام. أما كازانوفا فطرحه طرح سوسيولوجي وصفي، بحيث يدرس كيف يستطيع الدين الاستمرار فعليا في المجتمعات الحديثة بطرق مختلفة وعبر مسارات متعددة. والملاحظ أن هذه الأفكار تتوافق نسبيا مع تحليلات كارل شميت نفسه حول الجذور اللاهوتية للمفاهيم السياسية الحديثة، والتي تتحقق اليوم في سياق معاصر يمزج بين الشعبوية والقومية والدين واستعمال القوة. لكن هل تستمر هذه الظاهرة وتنتشر في السلوك السياسي المعاصر أم أنها مرحلية ومؤقتة ستنتهي بانتهاء وتراجع صعود تيار الشعبوية واليمين المتطرف، ذلك ما ستخبرنا به الشهور أو السنوات القادمة.

 

** باحث في القانون والعلوم السياسية.

[1] مصطلح اللاهوت السياسي يدخل ضمن فرع بحثي لدراسة العلاقة بين الدين والسياسة وأن هذه الأخيرة هي وليدة مفاهيم دينية، يرجح ظهور مصطلح اللاهوت السياسي لأول مرة في كتاب لكارل شميت يحمل نفس العنوان سنة 1922، وقد صدر لنفس الكاتب الجزء الثاني سنة 1970.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.