نجاح أم شُهرة…بقلم : أيوب بولعيون.

105

بقلم : أيوب بولعيون.

 

 

*******؟ ! نجاح أم شُهرة *******

 

في زمن آختلطت فيه الكثير من الأوراق، واختلت المعايير والقيم والمفاهيم الناظمة لنسيج تفكيرنا، زمن تبعثرت فيه الحروف والمعاني السليمة، صار من اللازم والواجب على الإنسان المسؤول، الشك والتساؤل إزاء مجموعة من الأفكار  الدخيلة و المتسربة، والصور النمطية الشائعة داخل مجتمعنا الذي لا يستقر على حال واحد ثابت؛ مجتمع يتشكل  في كل مرة بصورة جديدة مغايرة لسابقتها في ظرف زمني قصير، وذلك تحت تأثير الغزوات الفكرية والثقافية والاقتصادية التي اتسعت مساحتها بسبب التكنلوجيا الهائلة التي قلصت المسافات البعيدة، زمن العولمة و السرعة المفرطة ، في مقابل غياب شبه تام لأسس ومبادئ متينة صلبة ثابتة، وأصول عامة  تحافظ على الاستقرار وتؤطر مجال سلوكاتنا الثقافية و الاجتماعية وممارساتنا التربوية.  وبما أن حياتنا ما هي إلا نتيجة وحصيلة للأفكار والمعتقدات التي نتشبع بها و تصبح مدار تفكيرنا، ونافذة نرى من خلالها العالم الخارجي، فلا بد من إعادة النظر ومراجعة ما نعتنقه من أفكار، وإحالتها إلى الاختبار والتقصي و الغربلة.

أفكار كثيرة سائدة عندنا، وجدت في ثقافة “كوكوت مينوت” التي أرست أركانها في جيل فاقد للصبر والتأني ، تربتها الخصبة الجاهزة للإنتشار السريع داخل المجتمع،  دون فحصها و تمحيصها تحت مجهر الحس النقدي، والمراجعة الفكرية بالمعايير الواقعية القادرة على التمييز بين الصواب والخطأ، الجيد و الرديء، الغث والسمين، وذلك باستحضار الشروط الموضوعية، وقابلية الأفكار للتطبيق واكتسابها الشرعية من خلال نتائجها النافعة التي تنتزع لنفسها الاستحقاق والمجد مع مرور الزمن و توالي العقود، فكل نتيجة لم تتمخض من العمل الشاق الطويل المستمر، تبقى مجرد مصابيح بأضواء خافتة، يظنها المغفلون المتوهمون نجوما في السماء، و ما هي إلا لحيظات قصيرة حتى يتوارى بريقها الخادع أمام شمس الأعمال الكبيرة التي أعطت لنفسها الجدارة والاستحقاق، لأنها نتيجة عمل دؤوب موسوم بالجهد والتعب، أما ما يأتي بسرعة ودون معاناة حقيقية فلا يصمد طويلا داخل “حلبة الإنجازات”. إننا نعيش في زمن أمجاد دون استحقاق و استحقاقات دون مجد، إن صُناع المجد الفارغ يقتاتون على التفاهات و يطاردون الفقاعات لأنهم لا يمتلكون الشجاعة على التوفيق بين المجد و الاستحقاق في صورة واحدة وقصة عصامية متكاملة تستحق أن تُروى وتحكى لكل الأجيال.

 

من بين  الأوراق التي يتم اللعب بها لمغالطة الناس وإيهامهم في عالم  تكتسحه الميديا و الفضاءات الرقمية الغاصة بحشود الأغبياء الحمقى، و ما يعتوره من أوهام، إشاعات، تهيؤات، خيالات، ضلالات، تشوهات وشبهات فكرية وأخلاقية سلوكية ، ومُدخلات خاطئة تؤدي بشكل حتمي إلى قلب موازين الحياة الواقعية عند البعض ممن يعاني من نقص في “المناعة” ، ورقة النجاح وورقة الشهرة أو الضجة الإعلامية أو حتى مجرد الظهور الشكلي  للآخرين بشكل يدعو للانتعاش النرجسي و التقوقع على الذات الفردية، خصوصا حين يصاحب هذا انتعاش مؤقت  “للجيب”، لأنه استقر في أذهان الكثيرين أن انتعاش الجيب دليل على الوصول وبلوغ المحطة التي تزودنا بوقود الفرح والبهجة وتحقيق الأماني  وغزو الفضاء. وينسى صاحبنا مع غواية الجيب أن هذا الأخير اذا لم يحترم في بحثه عن تحقيق حاجياته لمبادئ الكسب قد تُحذف ياؤه فيصيرا جبا رهيبا، فيه تصير حياتنا بئيسة تحوم حولها فئران الندم والخيبة.  ليست المشكلة في انتعاش الجيب ولكن المؤسف حين يكون ذلك على حساب “ارتفاع منسوب الغباء” وتقديم كميات هائلة من سلع التفاهة في سوق العبيد.

بدل أن تكون هذه الفضاءات سبيلا للتواصل   والارتقاء بالإنفتاح على الآخر بشكل ناضج و مُنتج، والاستفادة مما تتيحه لنا لتوسيع زاوية الرؤية والتخلص من الدوران حول أنفسنا وتقديسها، يتم توظيفها بشكل خاطئ وذلك بالهروب  من الذات لِذات أخرى يسهل تحقيق مطالبها والتفاعل مع أهواءها  بالتعلق في أوهام كاذبة توحي لصاحبه بتحقيق إنجازات كبيرة والوصول للحياة السعيدة، دون الحاجة لعناء العمل وكل ما يرتبط به من قيم الجد والاخلاص والانضباط والالتزام… فالقيم لا يصبح لها أي اعتبار في عصر يعيش أزمة القيم وينتج بذلك قيم الأزمة.

أوراق  تُطرح في لعبة ينخرط فيها الكثير بوعي أو بغير وعي، نظرا  لتلك الجاذبية و الإغراء التي تتسم بها مواقع” السقوط الجماعي”، حيث أصبحت تعتقد نسبة  من الأطفال الذين انتشلتهم الميديا من عالمهم الطفولي الطبيعي،  وبعض من  الشباب وهو متطلع للنجاح و تحقيق متطلبات حياته،  أن النجاح والتفوق مرتبط بالشهرة و الظهور داخل  الفضاءات الافتراضية ومواقع التواصل الاجتماعي ( الفيس بوك، التيك توك و غيرها من المنصات…) ،وذلك بدءا بمقاسمة الحياة اليومية العادية – قبل الإتيان بالغرائب والعجائب- و الروتين الصباحي و المسائي، دون نسيان مخاطبة “البطون” بالأطعمة و الموائد الممتلئة المزينة للتعبير عن قلوب تفيض  بالامتنان و الرضا والشكر، ربما كرما على ” الأتباع المجمجمين الأوفياء” الذين يتابعون كل جديد مستجد، وينقبون بكل تفان لساعات دون كلل عن معادن نفيسة في كهوف المواقع الافتراضية التي لا  يتوقف جريان عيونها وظهور كنوزها الثمينة،  وبعضهم يبدأ مشواره العلمي هذا بتصوير أمه و أبيه أو أخته الصغيرة وهم في حالة ذهول أمام وحش” الكاميرا “، يتظاهرون بالابتسام والسرور، لنيل رضا التكنلوجيا التي زحفت عليهم رغم كبر سنهم، وأفسحوا لها المجال لتسرق منهم أجود اللحظات  التي يُفترض أن يعيشوها مع بعضهم دون  عرضها في السوق. ناهيك عن مشاركة السفريات والتقاط الصور والسِّلفيات التي لا تهدأ هناك و هناك في صورة توحي بانشطار بين الواقعي و الافتراضي، وفقدان الوجود الكامل في الواقع الحقيقي والعيش الافقي فيه و الاستمتاع بالتجربة الحية.

لقد أصبحت هذه المنصات عند الكثير مجالا لمشاركة المشاعر الطارئة – بلغة موغلة في الإفراط-   التي تبعث على النشوة ولذة الارتعاش والانتقال المفاجئ من حالة لحالة، ومن مزاج لآخر، في صورة تشي بالتيهان وفقدان السيطرة على أنفسنا أمام هذا الزحف الهائل المتناسل من المواد الرقمية السريعة والقصيرة. والمشاعر ( خوف، غضب، فرح، حزن…) طاقة حيوية ثمينة، تحتاج التصريف في مواقف الحياة الحقيقية، بدل إهدارها وتضييعها في العالم الرقمي المخادع الذي يسرق منا حياتنا العفوية . إن الاندفاع واستغراق جل الأوقات  قد يكون  بدافع الهروب من الوحدة أو الفشل  أو المسؤولية، أو لتوسيع قاعدة المتابعين، المتعاطفين و المتفرجين الأوفياء طمعا في بعض الدريهمات، وهي هدف تسعى إليه هذه الحسابات عبر عدة استعراضات وحركات بهلوانية رخيصة ( مقالب تشي بحدوث انقلاب مخزي في سلم القيم، رقص ساقط ، حديث الفضائح خاصة في بعدها الجنسي و استدعاء نجومها وأبطالها…) و مظاهر كثيرة منتشرة، تُعرض أمامنا وتستقبلنا، وكأنها تفرض نفسها بقوة، قوة الحمقى الذين أصبحوا يؤثرون في الموازين، ويمتلكون حق الكلام متى وكيفما أرادوا.  قد نفهم هذا  الهوس بالظهور في العالم الرقمي أنه تعويض ودلالة على “الغياب” يستعين بحضور مزيف؛ غياب هوية و حضور داخل الواقع الحقيقي الملآن بالتحديات و المعيقات والقوانين الأكثر صرامة ، واقع التقابلات و الإجهاد وتحمل الضغوط والالتزامات، وبناء علاقات صحية مع الآخرين أساسها التعاون وتبادل الخبرات، فيتم اللجوء للبحث عن اسم ومواصفات وهوية أخرى و “مكانة رقمية” في مكان آخر لا يطرح أي تحديات أو عقبات، بها يخادع نفسه وفراغه ويتوهم أنه يملك أيضا كلمة وجمهورا عريضا يستمع له  ويتابعه، حتى يصير مشهورا ونجما ذا حيثية .  إن لكل أصنام أتباعها التي تعبدها  وتقدم لها الطاعة و الولاء و كل مراسيم التعظيم، ولكل مزار زُوارهُ!. بالانقياد الجماعي الأعمى نصنع أصنامنا التي أصبحت تعتقد أنها ذات شأن وقيمة ، نحن المسؤولون عما يقع في عالم تغيب فيه الاستقلالية وتحضر فيها التبعية وظلام الجهل ورعب الفراغ و يتوارى فيه نور العقل.

يعتقد الشاب  أنه يستطيع تحقيق جميع حاجياته ومتطلباته ، ويجني الأموال دون أن يكد و يعمل، ويأخذ بالأسباب داخل معترك الواقع  الاجتماعي، الثقافي، الاقتصادي و السياسي.. ، وذلك بالانغماس في الافتراضي، بهوية رقمية سائلة، تُصنع في ساعات معدودات تتحكم فيها الأزرار والشاشات .  تأتي هذه الأفكار وهذا  الهوس المحموم نتيجة   لأسباب متعددة، أحدها تلك الرسائل المباشرة والضمنية التي تُمرر عبر النماذج الجديدة  لِ “اللاعمل و اللاجتهاد ” التي أصبحت المواقع الإعلامية الرخيصة تتهافت عليها كمادة إعلامية “مثيرة ” ، للعرض و إغراء المتابع و المشاهد ، مع تلك الأسئلة  المبتذلة التي تتطرق لما هو شخصي حميمي و تحويله أحيانا  لقضية ضمن “الرأي العام”، فيمررون عدة أفكار تسهم في التشويش على التوجه السليم الذي يقضي فيه المربون لسنوات على تشييد صرحه، ليأتي شخص أبله، اتفق له الحصول على بعض الأموال وانتشار صورته بين متابعيه، ويدس أفكارا  في عقول الشباب ، بدعوى الخروج من نمط التفكير السائد وسَلك طرق أخرى تقود لحياة أكثر غنى وسعادة!، فقد خرج أحدهم ذات  يوم وهو يحاول إقناعنا أن الحياة ليست هي دخل مالي شهري و بيت وزواج، بل هي  شيء آخر أكبر من هذا السجن الذي وُضعنا فيه وأُقنعنا بأن هذا هو الصواب !! “. إن هذه الحالات الشاذة التي تستهزئ وتسخر من شروط الحياة الطيبة التي يسعى إلى توفيرها الكثير بالجد والكدح والعمل الحلال، يجب إيقافها وإلجام أفواهها ودعوتها لاحترام المبادئ و القيم الكبرى في حياة الناس، مهما اتسعت إمبراطوريتهم الافتراضية و كثرت دريهماتهم.

نماذج قصيرة العمر، ينتهي تاريخها بانتهاء ظهورهم على السوشل ميديا واختفاء المتابعين، وبالتالي فهي غير قادرة على الإلهام واستنهاض الهمم وإيقاد العزائم، والنفس الإنسانية تميل بطبيعتها لمن سلك طريق التعب والجد وقاوم التحديات والصعوبات التي اعترضته، فتستلهم قصص هؤلاء الذين يتركون أثرهم في العقول وسجل التاريخ.

أصبح البعض يستطيع بسهولة، ودون عناء أن يحقق ما يسمونه عدوانا  “نجاحا”، و ذلك عبر الولوج الأعمى إلى المنصات و المواقع أو أي طريق آخر يتيح له خلق الضجة ( فيديو عشوائي.. أغنية ساقطة..، تفاهة سوقية.. بكاء هستيري… كوميديا منحطة…رقصة عابرة… ) و كل مايخطر على البال والحال، وبإمكانه جذب انتباه الآخرين و إثارة إعجابهم و انفعالاتهم الغريزية، وحصد آلاف المشاركات و المشاهدات و التعليقات، ليتحول ذلك فجأة كمعجزة خارقة إلى نجاح باهر يستحق الالتفات و الاهتمام و تسليط الاضواء، و تقريب الميكروفونات و التفاف الحشود من الناس للإنصات بإصغاء و بإمعان لقصة هذا الغزو الفضائي، والانتصار الكبير الذي حققه هذا المشهور المقهور، وهو يقتحم كل المواقع و القنوات الناقلة لموجز الاخبار و الأنباء العالمية، واستطاع أن يكتب اسمه مخلدا على رمال “الترند و البوز”. تقدم لنا هذه النماذج بكثرة على أنها تمثل معاني النجاح و الانتصار خصوصا اذا رُبط ذلك بجني بعض الأموال. فهل حقا هي النماذج التي يجب أن نقدمها لجيل الأطفال و الشبان؟ أم أن للعناوين و التسميات جعل من نماذج السيولة و الانحلال و الميوعة و الانحدار الأخلاقي نماذج مجتمعية تستحق” التصفيق و الإطراء” ..؟ كيف يمكن أن نقرن النجاح بالشهرة التافهة ؟  هل النجاح نجاح اللايكات و المشاهدات و الضجة العابرة و الانتشاء العاطفي المؤقت أم نجاح الثمرة و الأثر الممتد النافع على الفرد و المجتمع؟ ما هي النماذج الجديرة بتقديمها لأطفالنا في المدارس و المقررات و الفضاءات الافتراضية و الواقعية و البرامج التلفزيونية لاستلهامها و استخلاص المعاني و العبر منها؟ و هل يمكن أن نستبشر بالخير في أولادنا و هم يتابعون مشاهير المواقع و يعتبرونهم القدوة و الاسوة و النموذج الناجح؟!  كيف يمكن لنا مساعدة أطفالنا بوضع مسافة أمان بين منطق المواقع و منطق الواقع

إن عالم الشهرة والظهور أصبح يغوي الكثير من أطياف المجتمع، ليس لإشباع رغبة داخلية نرجسية فقط، و إنما طمعا في العائدات المادية التي  تجلبها الفيديوهات و المشاركات و المتابعات المُخلصة، خصوصا تلك المُصنفة في خانة الفضائح الأخلاقية، التي تستثير فضول الجمهور وغرائزهم المدفونة تحت ضغط “الفراغ” الفكري . لقد  كانت الشهرة قديما، تشترى بالجد وتعب السنين أما اليوم، في عالم الرقميات و الأزرار، تُباع  بمقابل أن يُقدم المرء كل مقومات عقله وشرفه وعزة نفسه، فيكفي أن يرقص  أمام الكاميرا شبه عار، أو يستهزئ بإنسان علمه الحرف والكلمة، أو يشارك قصة حزينة تفرضها طبيعة الحياة بأسلوب مؤثر مع إيقاعات الموسيقى، أو تصوير مقلبٍ ليافع لا يعي ما يفعل مع والده أو والدته أو زوجه  … وغيرها من السلوكيات  التي تُمارس  بوعي أو بدون وعي لنيل شهرة موهومة بين الناس، و هو ما يستدرج الكثير من الناشئة للتفكير بالخوض في مجال السوشل ميديا باتباع طرق ” المؤثرين الجدد” الذين يرسلون رسائل ضمنية بأن نجاحا عظيما ينتظر الفرد اذا اتبع طريق فلان وعلان اللذان منح لهم الجمهور “سلطة رمزية” ، أما  ذوي العقل السليم المحصن الناضج، فهو يتعالى على مثل هذه الاندفاعات الطائشة غير المسؤولة، التي سرعان ما يتفطن لها المشارك فيها بعدم جدواها، وبأنها مضيعة للجهد و الوقت، ويُلاحظ ان الكثير ممن انساقوا وراء “إغراء الميديا ” يعودون ويعترفون بمدى التأثير الذي كان لانغماسهم في العالم الرقمي على علاقتهم بأنفسهم وأصدقائهم وحياتهم اليومية الطبيعية، وفريق آخر  يجر ذيول الخسران و الندم والحسرة بعد أن استهوته نفسه للوقوع في مزالق إلكترونية خطيرة كان في غنى عنها.

لنطرح سؤالا : ما الذي يجعل الشاب أو فتاة أو حتى طفل ما زال في براءة طفولته يشارك في مثل هذه السلوكات الرقمية و يفتح على نفسه عالما اخطبوطيا لا يستطيع التحكم في قوانينه و الكثير من مآلاته؟ ألا يمكننا في موقع المسؤولية ان نساهم في التربية الرقمية و في خلق وعي حقيقي حول مدى تأثير الوسائل التكنولوجية الحديثة في حياتنا و أخلاقيات التعامل معها؟

الكثير من المؤسسات التي وكلت إليها مسؤولية التربية و التوجيه والتحسيس تحمل على عاتقها “واجب” التدخل لوضع الحدود الفاصلة بين الكثير من القيم والمفاهيم التي اختلطت في مزيج تجعل الناشئة غير قادرة على التمييز والفلترة خصوصا في زمن “الغزو الناعم البطيء”. إحدى هذه المؤسسات بلا شك، التي تتبادر إلى أذهاننا جميعا هي الأسرة ، بكل ما تحمله  من معاني الرعاية والتنشئة والنصح  و توفير الشروط اللازمة للنمو ، والوصول بالطفل إلى مرحلة يستطيع فيها أن يميز بعقله بين ما هو خير و منفعة، و بين ما هو شر و هلاك.  و على ذكر الأسرة، يشهد واقعنا المزري والمخجل عدة مؤاخذات على هذه المؤسسة وهي تتملص من مسؤوليتها الثقيلة متذرعة بحجج واهية، فكثير من الآباء والأمهات يقذفون  أطفالهم بين مخالب “هاتف” متغطرس المحتوى،   لا يستطيع الطفل أن يتحكم فيه أو يختار ما يناسبه أخلاقيا وتربويا، هاتف يكبح أو يعيق الاستعدادات الفطرية للنمو الطبيعي، و ذلك بذرائع تافهة : “خليه يلعب باش ياكل” خليه يتلها باش يسكت من صداع  خليه باش ينعس .. خليه.. خليه…” حتى يتأكد مع مرور الزمن أن الطفل قد تم التخلي عنه حقا، متروكا في غياهب المجهول ليتكفل به المربي المريح (الهاتف) بمحتوياته وخوارزمياته ، خصوصا حين تظهر التأثيرات السلبية  عليه عقليا و نفسيا و اجتماعيا وتواصليا، ليجد الطفل نفسه منزويا  في ركن بعيد،  غير قادر على مد جسور الصلة بينه وبين أسرته و محيطه ويستجيب لمثيرات عالمه الطبيعي، لأنه اعتاد منذ نعومته على الاستجابة لمثيرات المربي  الأمين الذي احتضنه أيام طفولته.

إن الأسرة قبل أي مؤسسة أخرى، مسؤولة بشكل رئيسي على حماية الأطفال بالتربية الرقمية السليمة وذلك بالتوظيف العقلي  لما هو رقمي وبطريقة تعود  بالنفع والفائدة، وذلك استبعادا لأشكال التأثر بعدد من الحمقى والمعتوهين الذين يتصدرون المنصات والواجهات بعلم مزيف هزيل، تصنع منه الشهرة الفارغة صورة تشي بالعظمة والإنجاز الكبير، والنجاح الباهر، فالجيل الناشئ الآن بين ايدينا، تحت مسؤوليتنا جميعا، يواجه تحديات كبيرة نظرا للتطور التكنولوجي الهائل و الفضاءات المفتوحة التي اتاحتها الوسائل الحديثة، و هو ما يحتم علينا جميعا، كل من موقعه ودوره التربوي النهوض للمساهمة في التوجيه  إلى بر الأمان، و تصحيح الاعوجاجات الفكرية و ذلك بغرس القيم و المفاهيم الصحيحة، لأن الإنسان يفكر بما عنده من مفاهيم و تمثلات و تصورات و هو ما يستدعي التاثيث المبكر للمفاهيم الصحيحة القادرة على البناء.

في هذا الصدد، اعتقد أن التربية الإسلامية التي تغرف مفاهيمها من ينابيع القرآن الكريم و سنة النبي المطهرة، تشكل مصدرا أساسيا في زمن التهافت والتقليد الأعمى والضياع،  للتنشئة الاجتماعية والنفسية و الإيمانية للأطفال، ما يساعدهم على عيش حياة صحيحة راشدة مليئة بالإنجاز الحقيقي البعيد عن إنجازات “النجاح المجتمعي” التي لا تتجاوز الحدود المادية، فالقرآن الكريم لا يفتأ يخاطبنا بالمفاهيم الكبرى التي تليق بالإنسان كالفلاح و الفوز و النجاة و الصلاح، التي تشكل بالنسبة لانسان هذا العصر حصنا منيعا، يقيه الاستسلام للمعايير المجتمعية القائمة التي تحكم على الأفراد بالنجاح أو الفشل وغيرها من أحكام لا تتجاوز القوالب الثقافية المصنوعة.

دون أن نغفل عن دور تقديم نماذج ملهمة تجسد القيم العليا و النجاح الحقيقي و الأخلاق النبيلة سواء عبر القصص المسموعة (أهمية الحكاية للأطفال) أو المقروءة أو الأفلام الكرتونية أو عبر الشخصيات التي تقدمها المدرسة في مقرراتها و نصوصها و صورها( من مفكرين و علماء و أنبياء و حكماء، مخترعين، فلاسفة …) و الإبتعاد عن نماذج التفاهة و الانحطاط التي تستهدف ما تبقى من أمل في الأطفال الصغار.

إن الأطفال هم الرهان و الأمل و عليه فإن الاشتغال على تربيتهم  هو بمثابة الإيمان بقدوم مستقبل أفضل، يليق بالإنسان و الحياة الإنسانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.