عبء الوفاء ..قلم : أحمد لعيوني

46

عبء الوفاء

أحمد لعيوني

كان القدميري يختار موعد زيارته لأخته رقية بعناية تشبه طقسا سنويا لا تكتمل الحياة بدونه. فما إن ينتهي موسم الحصاد، وتهدأ الحقول أخيرا من صليل المناجل وتعب الرجال، حتى يدخل الدوار في سكينة طويلة لا يقطعها سوى حديث الفلاحين عن المطر المقبل وموسم الحرث القادم. عندها فقط، كان يشعر بأن جسده استراح قليلا من عناء السنة، فيقرر شد الرحال نحو الدار البيضاء، حيث تقيم أخته في بيت صغير قرب كَراج علال.

أما رقية، فكانت كلما أقبل الربيع جاءت إلى الدوار رفقة ولديها جعفر وسمير. كانت تحب البادية حين تخضر الأرض وتفوح رائحة الأعشاب المبللة بالمطر، وحين يصبح الهواء صافيا إلى حد تشعر معه أن المدينة مجرد حلم ثقيل بعيد. وكان ابناها يقضيان الأيام في مطاردة الفراخ والعصافير بين الحقول مع أبناء خالهم.

ومن بين الجميع، نشأت صداقة خاصة بين عزوز، أصغر أبناء القدميري، وابن عمته جعفر، رغم أن هذا الأخير  يكبره بأربع سنوات. كان جعفر بالنسبة لعزوز نافذته الصغيرة على عالم آخر؛ عالم المدينة الذي بدا دائما بعيدا ومبهرا وغامضا.

كانا يجلسان أحيانا تحت شجرة التين قرب الحقل، فيبدأ جعفر حديثه بنبرة الواثق:

– واش عمرك شفتي عمارة طالعة حتى السما؟

يهز عزوز رأسه بالنفي وهو يلتهم الكلام بعينيه.

– عندنا فالدار البيضاء العمارات كبار بزاف… والليل ما كينعسش. الضو شاعل حتى الفجر، والسيارات دايزة طول الليل، والناس كيبقاو ساهرين بحال النهار.

يسأله عزوز بدهشة صادقة:

– وكيعرفو ينعسو وسط داك الصداع كامل؟

فيضحك جعفر ساخرا:

– نتا غير ديال الدوار. إلى جيتي للمدينة غادي تولف كلشي.

ثم يواصل حديثه عن القطار والسينما وأصدقاء الحي والمغامرات التي يخوضونها، بينما يبقى عزوز صامتا، كأنه يصغي إلى حكايات قادمة من عالم لا يشبه عالمه في شيء.

هذه المرة، قرر القدميري أن يصحب ابنه معه إلى الدار البيضاء ما دام الطفل يقضي عطلة الصيف. ومنذ اللحظة التي أخبره فيها، لم يعد عزوز قادرا على النوم بهدوء. ظل يتخيل نفسه يسير إلى جانب جعفر وسط الشوارع المزدحمة، ويتأمل الأضواء الكثيرة التي طالما سمع عنها.

خرج الأب وابنه مع أول خيط للفجر نحو الطريق الرئيسية قرب السوق الأسبوعي، حيث تمر حافلة كاطالا الحمراء القادمة من بني ملال. كان الضباب ينساب بخفة فوق الحقول، والبرد ما يزال عالقا في أطراف الصباح. وقبل وصول الحافلة، اشترى القدميري قطعة كبيرة من لحم الغنم الطري، ثم لفها بعناية داخل قفة من الدوم وهو يقول مبتسما:

– ناس المدينة كيبقا ليهم غير ريحة لبلاد.

صعدا إلى الحافلة، وجلس عزوز قرب النافذة. ظل طوال الطريق يلتهم المشاهد بعينيه؛ القرى الصغيرة، الأشجار، الطرق التي أخذت تتسع شيئا فشيئا، إلى أن ظهرت الدار البيضاء أخيرا ككتلة هائلة من الإسمنت والدخان.

وحين دخلتها الحافلة، شعر عزوز كأنه عبر فجأة إلى عالم آخر.

السيارات تتحرك في كل اتجاه، والأبواق تصرخ بلا توقف، والعمارات ترتفع فوق الرؤوس حتى تكاد تحجب السماء. الناس يمشون بسرعة غريبة، كأن أحدا يطاردهم، والهواء ثقيل بروائح مختلطة لا يعرف لها اسما.

كان عزوز يلتفت يمينا ويسارا بذهول، بينما كان والده يراقبه مبتسما. وحين اقتربا من الحي الذي تسكنه رقية، وضع يده على كتف ابنه وقال بنبرة جادة:

– دير عقلك مع جعفر… أولاد المدينة ماشي بحال ولاد الدوار.

هز عزوز رأسه دون أن يفهم تماما معنى الكلام.

استقبلتهم رقية بفرح كبير، وتعالت أصوات الترحيب داخل البيت الصغير. وبعد الغداء، طلب جعفر من أمه أن يخرج مع ابن خاله قليلا إلى الحي والدخول إلى السينما. ترددت الأم قبل أن توافق، ثم ناولته ثمن التذكرتين وهي توصيه:

– ما تبعدوش بزاف.

ثم التفتت نحو عزوز:

– وإذا شفتيه كيدير شي حماق… قولها ليا.

ابتسم جعفر بخبث، وهمس لعزوز وهما يخرجان:

– ديما كتخاف عليا بحال إلا باقي صغير.

قال عزوز ببراءة:

– حيث كتحبك.

ضحك جعفر ورد بثقة متعالية:

– فالمدينة اللي ما يغامرش ما يعيش.

خرجا إلى الشارع المكتظ بالحركة. الباعة يحتلون الأرصفة، وروائح الزيت المقلي تختلط بدخان السيارات. وصلا إلى سينما الشاوية، ودخلا قاعة مظلمة تضج بالأصوات والأغاني الهندية الصاخبة. جلس عزوز مشدوها بالشاشة العملاقة، بينما كان جعفر يراقب الناس أكثر مما يتابع الفيلم.

وبعد انتهاء العرض، واصلا التجول حتى وصلا إلى قنطرة القطار.

توقف جعفر فجأة، وأسند يديه إلى السياج الحديدي، ثم قال وهو يحدق أسفل القنطرة:

– شوف… كاين شي حاجة لتحت.

اقترب عزوز بحذر، فرأى محفظة صغيرة قرب السكة الحديدية.

قال بسرعة:

– خليها… راه القطار يدوز من هنا.

لكن جعفر كان قد خلع قميصه وربطه حول خصره:

– غير دقيقة ونطلع.

تعلق عزوز بذراعه مذعورا:

– إلا جا القطار؟

ابتسم جعفر بثقة أزعجته:

– نتا كتخاف بزاف. حنا فالمدينة عارفين آش كنْديرو. أنا واصحابي مولفين.

وقبل أن يتم عزوز كلامه، كان جعفر قد قفز إلى أسفل القنطرة.

تجمد الطفل في مكانه، وشعر بقلبه يهوي معه. رأى ابن عمته يتشبث بعمود إسمنتي وينزل بحذر نحو السكة، ثم ينحني وسط الحصى ويلتقط المحفظة بسرعة.

وفجأة، دوى هدير مرعب تحت القنطرة.

اهتز الحديد بعنف، واندفع القطار بسرعة هائلة تكاد تقتلع الهواء من حوله. التصق جعفر بالعمود بصعوبة، فيما أغلق عزوز عينيه من شدة الرعب وهو يصرخ:

– جعفررر!

مرت ثوان طويلة قبل أن يسمع أنفاسا متقطعة وصوت خطوات متعثرة. فتح عينيه فوجد جعفر يصعد وقد شحب وجهه تماما.

وما إن قفز إلى الرصيف حتى أمسكه رجل قوي من ذراعه وصفعه بعنف:

– واش باغي تموت؟! هادي ماشي لعبة!

ظل جعفر صامتا حتى ابتعد الرجل، ثم فتح المحفظة بسرعة. كانت فارغة.

بصق بضيق وقال:

– تفو… ضيعت حياتي على والو.

ظل عزوز ينظر إليه بصمت. لأول مرة، لم يشعر بالإعجاب نفسه الذي كان يحسه دائما تجاه ابن عمته.

وفي طريق العودة، حاول جعفر أن يستعيد نبرته الواثقة:

– شفتيني كيفاش هبطت؟ أي واحد يقدر يديرها؟

لكن عزوز قال هذه المرة بصوت خافت:

– كنت غادي تموت.

ضحك جعفر وهو يحاول إخفاء ارتجافة يده:

– الموت كيخاف منّي.

غير أن عزوز لاحظ، رغم الظلام، أن وجه ابن عمته ظل شاحبا حتى وصلا البيت.

وفي تلك الليلة، ظل مشهد القطار يطارده طويلا. كان كلما أغمض عينيه يرى الحديد يهتز، ويسمع هدير العجلات يقترب من جسد جعفر. ومنذ تلك اللحظة، بدأ شيء داخله يتغير. لم تعد المدينة تبدو له كما تخيلها من قبل؛ لم تعد فقط أضواء وعمارات وسينما، بل صارت أيضا مكانا مليئا بأشياء لا يفهمها، وبشجاعة تشبه التهور أكثر مما تشبه القوة.

وفي اليوم التالي، طلبت رقية من ابنها أن يحمل بعض الخضر والفواكه إلى قريبة لهم في درب الفرح، وأوصته أن يصحب معه عزوز.

وبعد أن أنهيا المهمة، مرا قرب بركة آسنة طالما حذرت رقية أبناءها من الاقتراب منها.

كانت داكنة اللون، تفوح منها رائحة كريهة، فيما كان عشرات الأطفال يسبحون فيها ويصرخون بمرح.

توقف جعفر فجأة وقال مبتسما:

– غادي نعوم شوية.

تراجع عزوز خطوة إلى الخلف:

– فهاد الما؟ راه خايب.

قهقه جعفر:

– نتا ديما خايف. شوفهم كاملين كيعومو.

– ولكن ريحتو كتخنق…

– المدينة ما فيهاش غير الما النقي ديال السواقي ديالكم.

ثم بدأ يخلع ملابسه بسرعة.

قال عزوز بقلق واضح:

– إلى مرضتي؟

نظر إليه جعفر باستخفاف:

– حنا ولاد المدينة ما كنمرضوش بسهولة.

وقف عزوز على الحافة يراقبه وهو يقفز داخل الماء الداكن. كان الأطفال يغوصون ويضحكون كأنهم لا يشعرون بالقذارة ولا بالخطر، بينما ظل هو جامدا في مكانه، عاجزا حتى عن الاقتراب.

لما خرج جعفر من البركة، كان يسعل بقوة، وقال:

– آه، شربت الماء ملي غطست.

عادا مساء إلى البيت وكأن شيئا لم يحدث.

لكن منتصف الليل حمل معه الفزع.

استيقظ الجميع على صوت تقيؤ جعفر. كانت الحمى تشتعل في جسده، وأنفاسه تتقطع، فيما راحت أمه تتحسس جبينه بيد مرتجفة.

صرخت بعصبية:

– سبح فالضاية؟!

ساد صمت مرتبك.

ثم التفتت مباشرة نحو عزوز:

– قول ليا الحقيقة… شفتيه؟

شعر الطفل بشيء ثقيل يصعد إلى حلقه. نظر نحو جعفر الممدد تحت الغطاء، فوجد عينيه نصف مفتوحتين تحدقان فيه برجاء خائف.

اقتربت رقية أكثر:

– ها عزوز… جاوبني.

خفض عينيه إلى الأرض، وعاد يسمع هدير القطار في رأسه، ويرى جعفر وهو يتشبث بالعمود الإسمنتي، ثم صورته داخل الماء الملوث.

تحركت شفتاه أخيرا:

– لا أعمتي… خلاني كنلعب ومشا عند صحابو.

ساد صمت طويل.

عادت رقية إلى ابنها، بينما بقي عزوز واقفا قرب الباب، يفرك أصابعه الصغيرة بتوتر.

وحين عاد إلى فراشه تلك الليلة، ظل مستيقظا يحدق في الظلام. كان يسمع سعال جعفر المتقطع من الغرفة المجاورة، فيشد الغطاء حوله أكثر، ثم يغمض عينيه دون أن ينجح في النوم.

في الصباح، جاء عزوز ليودع ابن عمته، بعدما قرّر والده العودة إلى البادية إثر انتهاء الغاية من الرحلة. ومن تحت الغطاء، مدّ جعفر يده المرتجفة بفعل الحمى، لا ليعتذر، بل ليضع في كفّ عزوز تلك المحفظة الفارغة التي عثر عليها قرب السكة الحديدية، كأنّه يسلّمه جائزة للصمت وذكرى لما حدث.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.