من إمليل إلى دمنات… الجماعات في قلب فوضى التعمير والتدبير

125

أزيلال 24 : عبد الجليل ابو الزهور 

 

 

مرة أخرى، تعود ملفات التعمير والتدبير المحلي بإقليم أزيلال لتطفو على السطح، ليس من باب التنمية أو الحكامة أو خدمة المواطن، بل من بوابة الشكايات، وشبهات التزوير، وتحقير الأحكام القضائية. وكأن بعض المنتخبين والمسؤولين المحليين لم يستوعبوا بعد أن الجماعات الترابية ليست ضيعات خاصة، ولا مكاتب سمسرة لتوزيع الرخص والمصالح وفق منطق النفوذ والعلاقات.
ففي جماعة إمليل، تم، حسب المعطيات المتداولة، تبليغ رئيس جماعة سابق، وتقني، ومنعشين عقاريين، ومستشار جماعي سابق، باستدعاءات للمثول أمام المحكمة، على خلفية شكاية تتعلق بشبهات خطيرة تشمل التزوير، وتلقي رشاوى، والتجزيء السري. وهي تهم ليست بسيطة أو عابرة، لأنها تضرب في العمق ما تبقى من ثقة المواطن في المؤسسات، وتكشف كيف يمكن لبعض شبكات المصالح أن تعبث بالمجال العمراني والقانوني في غياب ربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة.
أما بمدينة دمنات، فالصورة تبدو أكثر قتامة. إذ تنظر النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بأزيلال في شكاية موجهة ضد رئيس المجلس البلدي ونائبه الأول، تتعلق بتحقير مقرر قضائي، بعد منح رخصة تعلية لبناية سبق أن صدر بشأنها حكم بالهدم. الأخطر من ذلك أن الشكاية، وفق المعطيات نفسها، لم تقتصر على المنتخبين، بل امتدت إلى مهندس معماري معروف بالمدينة، في ملف يطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة العلاقة بين بعض المسؤولين والجهات المستفيدة من فوضى التعمير.
إننا أمام مشهد عبثي كامل الأركان: أحكام قضائية تصدر… ثم يتم الالتفاف عليها. قوانين واضحة… لكن يتم تفصيل التأويلات حسب المقاس. ومواطن بسيط قد يُهدم له “برّاكة” لأنه لا يملك سنداً أو نفوذاً، بينما تتحول بعض البنايات المخالفة إلى “محميات” فوق القانون.
أي رسالة تُبعث اليوم للمواطن وهو يرى أن من يفترض فيهم حماية القانون هم أنفسهم موضوع شكايات ومتابعات مرتبطة بخرقه؟ وأي معنى يبقى للمؤسسات إذا صار الحكم القضائي مجرد ورقة يمكن تجاوزها برخصة إدارية مشبوهة أو توقيع في مكتب مغلق؟
المثير في كل هذه الملفات ليس فقط خطورة الوقائع، بل حالة الصمت المريب التي تواكبها. فبعض الجهات التي كانت تصرخ صباح مساء بشعارات الشفافية والنزاهة، اختارت اليوم الاختباء خلف جدران الانتظارية، وكأن الفساد يفقد بشاعته إذا كان المتورط “من الدار”.
إن ما يجري بإمليل ودمنات ليس أحداثاً معزولة، بل يعكس جزءاً من أزمة أعمق تتعلق بتحول بعض الجماعات إلى فضاءات لتبادل المصالح والترضيات الانتخابية، حيث يصبح التعمير وسيلة للاغتناء السريع، وتتحول الرخص إلى أوراق للمقايضة السياسية والمالية.
لكن مهما طال الالتفاف، فإن تحريك هذه الملفات قضائياً يبعث برسالة واضحة: زمن الإفلات المطلق من المحاسبة لم يعد مضموناً كما كان. والمطلوب اليوم ليس فقط فتح الأبحاث أو تبادل الاتهامات، بل الذهاب إلى النهاية في ترتيب المسؤوليات، كيفما كانت المواقع والأسماء، لأن هيبة الدولة لا تُقاس بعدد القوانين المكتوبة، بل بقدرتها على تطبيقها على الجميع دون استثناء.
فإما أن يكون القانون فوق الجميع… أو لا يكون هناك قانون أصلاً.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.