حين يتذكّر السياسيون دمنات فقط أمام الكاميرات

962

أزيلال 24 : عبد الجليل ابو الزهور 

 

 

في خرجة إعلامية جديدة ببرنامج ساعة صراحة على القناة الثانية، اختار زعيم حزب الاستقلال أن يستحضر إقليم أزيلال ومدينة دمنات باعتبارهما نموذجًا للتهميش والإقصاء. حديث قد يبدو في ظاهره تعاطفًا مع معاناة الساكنة، لكنه في العمق يطرح سؤالًا سياسيًا محرجًا: من المسؤول عن هذا التهميش أصلًا؟ ومن ظل لعقود يقطف أصوات دمنات وأزيلال في كل محطة انتخابية دون أن يترك أثرًا تنمويًا يليق بحجم الوعود والشعارات؟
دمنات لم تكن يومًا مجرد دائرة انتخابية عابرة بالنسبة لحزب الاستقلال. المدينة والإقليم منحا الحزب لعقود خزّانًا انتخابيًا مهمًا، ومقاعد برلمانية متتالية منذ استحقاقات 1997، بل وحتى قبل ذلك، رغم ما شاب بعض المحطات القديمة من حديث عن التزوير والتدخلات التي يعرفها الجميع. كانت الأصوات تُمنح بسخاء، والثقة تُسلَّم على أمل أن تتحول إلى طرق ومستشفيات وفرص شغل ومشاريع تحفظ كرامة الناس. لكن ماذا كانت الحصيلة؟
اليوم، وبعد سنوات من التسيير والمشاركة في الحكومات وتولي حقائب استراتيجية، بينها وزارة التجهيز، يحق لساكنة دمنات وأزيلال أن تسأل بصوت مرتفع: ماذا قدم الحزب فعليًا للإقليم؟
كم طريقًا معبدة أُنجزت؟
كم مسلكًا فُكّ عنه العزلة؟
كم مشروعًا تنمويًا حقيقيًا خرج إلى الوجود بدل البقاء حبرًا على الورق؟
الحقيقة المؤلمة أن الإقليم ما يزال إلى اليوم يعيش هشاشة بنيوية خانقة. طرق مهترئة، دواوير معزولة، مشاريع تتعثر سنوات طويلة، وأوراش تتحرك بسرعة السلحفاة، حتى تلك التي تمت برمجتها سابقًا قبل وصول الحزب إلى بعض مواقع القرار. وكأن الزمن التنموي في أزيلال ودمنات متوقف، بينما تُصرف الملايير في مناطق أخرى بسرعة قياسية.
المفارقة الساخرة أن بعض السياسيين لا يتذكرون معاناة المناطق إلا حين يحتاجون إلى خطاب عاطفي أمام الكاميرات أو حين تقترب المواعيد الانتخابية. فجأة تصبح دمنات “مظلومة”، وأزيلال “منسية”، وكأن المتحدث لم يكن يومًا جزءًا من السلطة ولا من هندسة القرار العمومي.
الساكنة اليوم لم تعد تبحث عن خطابات الشفقة السياسية، بل عن كشف حساب واضح وصريح. لأن التنمية لا تُقاس بعدد البلاغات والتصريحات، بل بعدد الكيلومترات المعبدة، بعدد المدارس والمراكز الصحية، بعدد فرص الشغل، وبقدرة المواطن على العيش بكرامة داخل منطقته دون أن يشعر أنه يعيش خارج خريطة الوطن.
إن أكبر إساءة لدمنات وأزيلال ليست في الاعتراف بتهميشهما، بل في تحويل هذا التهميش إلى مادة للاستهلاك الإعلامي بعد عقود من استثمار أصوات الناس دون مقابل تنموي حقيقي. فمن يريد الحديث عن الإقصاء، عليه أولًا أن يجيب: أين كانت المسؤولية حين كانت السلطة والوزارة والقرار بين يديه؟
2 تعليقات
  1. ترفا يقول

    كلنا نعرف حزب الإستقلال، و تاريخه، كحزب مخزني، جوكير، العيب فينا، العيب في مكونات المجتمع المدني، في المثقفين الذين لا يقومون بواجبهم كقوة اقتراحية قادرة على التأطير و التوعية و التحسيس بوزن صوت المواطن يوم الإقتراع كقيمة من أجل قلب موازين القوى و قطع الطريق أمام الإنتهازيين و وجوه النحس الذين سئمنا رؤيتهم و تواجدهم بمختلف المؤسسات ، محلية كانت أو تشريعية،

  2. ابراهيم ايت خويا يقول

    إلى الأخ سي عبد الجليل،
    أعتقد أن ما جاء في مقالتك يعكس جزءاً كبيرا من واقع المشهد السياسي بالإقليم، خاصة بمدينة دمنات وأزيلال، حيث أصبح واضحاً أن عدداً من الأحزاب تحاول، بكل الوسائل الممكنة، استرجاع حضورها السياسي وملء الفراغ الذي تعيشه على مستوى التواصل مع الساكنة.

    فحزب الاستقلال، كغيره من الأحزاب، يسعى إلى العودة بقوة إلى الواجهة، معتمداً على تحركات ميدانية وأنشطة مختلفة، وأحيانا على بعض الوجوه شبه الإعلامية التي تراهن على تلميع الصورة أكثر من نقل الحقيقة. غير أن المواطن اليوم أصبح أكثر وعيا ، ولم تعد الأساليب القديمة قادرة على التأثير كما في السابق، لأن كل التحركات أصبحت تحت أنظار المتتبعين والرأي العام المحلي.
    كما أن بعض الأحزاب، ومن بينها “الميزان” و”التراكتور”، تراهن على المناطق الهشة والبسيطة اجتماعياً، باعتبارها مجالاً سهلاً للاستقطاب السياسي. وقد تابع الجميع بعض الأنشطة التي جرى تنظيمها تحت غطاء جمعية ” محاربة الأمية بازيلال ” بمنتجع أوزود لفائدة نساء من العالم القروي، ــــ وهي جمعية مختصة في محاربة الأمية ، وليست هيئة سياسية ـــ وقد سبق ان قامت بلقاء بدمنات ، وبحضور السلطة المحلية وبعض المنتخبين، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول حدود العمل الجمعوي والسياسي.، واليوم تستدعي نساء للقاء من اجل المشاركة وتسجل أسماءهم في اللوائح الإنتخابية ؟
    ورغم هذا كله، فإن الكثيرين يكنّون الاحترام لبعض الوجوه السياسية داخل حزب الاستقلال، وعلى رأسهم برلماني الحزب، بالمنطقة ،الذي يُنظر إليه كشخصية محترمة وذات مستوى جيد في التعامل والتواصل، غير أن هناك من يرى أن مكانته السياسية ربما كانت ستبرز أكثر داخل تنظيم آخر ينسجم مع صورته وطريقة اشتغاله.

    في المقابل، يروج داخل الأوساط المحلية أن حزب التجمع الوطني للأحرار يتحرك بهدوء وثبات، مستفيداً من تجربة بعض مرشحيه المعروفين بحسن التواصل والتقرب من المواطنين، مع سعيه لاستقطاب أصوات جديدة استعداداً للاستحقاقات المقبلة، سواء البرلمانية أو الجماعية، خاصة في ظل الانتقادات الموجهة لبعض المجالس الحالية بسبب ضعف التسيير.
    أما حزب العدالة والتنمية، فقد اختار، حسب المتداول، الدفع بوجوه يعتبرها كثيرون ذات تجربة ومصداقية، ومن بينها خالد تيكوكين، رئيس جماعة تبانت، الذي يحظى بصورة إيجابية لدى عدد من المتتبعين، بالنظر إلى طريقة تدبيره وابتعاده عن استغلال المسؤولية لتحقيق مصالح شخصية، وهي نقطة تحسب له سواء اتفق الناس أو اختلفوا مع توجهه السياسي.

    وبخصوص البرلماني الشاب أتغلياست، فرغم الانتقادات التي تُوجَّه إليه، إلا أن هناك من يرى أنه راكم تجربة سياسية مهمة خلال الفترة الماضية، وأثبت حضوره ميدانياً، لذلك فإن الحديث عن إمكانية إبعاده من التزكية داخل حزب الأصالة والمعاصرة يثير الكثير من الجدل، خاصة أن له قاعدة من الأنصار والداعمين الذين يعتبرون أنه ما زال قادراً على تقديم المزيد.

    في المقابل، فإن بعض الأسماء التي يتم الترويج لها داخل “البام”، ومنها رئيس المجلس الترابي بأزيلال، لا تحظى – حسب عدد من المتتبعين – بنفس الحضور أو القبول الشعبي، رغم الدعم الذي يتلقاه من بعض القيادات الجهوية، وهو ما يجعل حظوظه محل نقاش واسع داخل الشارع المحلي بحث يسواجه

    المشهد السياسي بالإقليم اليوم معقد ومفتوح على كل الاحتمالات، في ظل كثرة التحالفات والتحركات المبكرة، وهو ما يجعل الحاجة قائمة إلى نقاش هادئ وموضوعي يضع مصلحة الإقليم فوق الحسابات الحزبية الضيقة، ويكشف للرأي العام حقيقة ما يجري بعيداً عن التطبيل أو تصفية الحسابات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.