ثانوية تيفاريتي ببزو تحتفي بالأعمال العلمية للباحث ذ. المصطفى فرحات في يوم دراسي حول الذاكرة والتراث المحلي.

78

أزيلال 24 : أيوب هناد /  صحفي متدرب

 

 

 

في قلب بلدة بزو، حيث يتعانق عبق التاريخ الجبلي مع هدوء الطبيعة الساحرة بإقليم أزيلال، تحولت ثانوية تيفاريتي التأهيلية إلى محراب فكري احتضن لقاء علميا من طراز رفيع. لم يكن اليوم الدراسي الذي نظم بشراكة مع مركز بزو للدراسات والأبحاث في الثقافة والتراث سوى محطة فارقة لإعادة الاعتبار لما يسمى بـ “التاريخ الجواني”، وتحويل بلدة بزو من مجرد هامش منسي في الجغرافيا الوطنية إلى مركز معرفي ساطع يسائل الذاكرة ويستنطق المخطوط والشفاهة. في تلك الصبيحة، تلاشت المسافات بين الأكاديميين القادمين من مراكش وبني ملال…، وبين تلاميذ المؤسسة الذين وقفوا يرقبون كيف تتحول الحكايات البسيطة لأجدادهم إلى مادة مصدرية رصينة في كتب وأبحاث علمية.

كان المشهد يختزل حوار الأجيال؛ جيل باحث نذر ثلاثين سنة من حياته للنبش في “الذاكرة الخائنة” لانتيفة، وجيل صاعد يتلمس ملامح هويته من خلال منجزات فكرية تؤرخ للقبيلة والطقس والجلبة والتعايش. لقد نجح هذا اللقاء في نقل بزو من مجرد نقطة عبور استراتيجية تاريخية بين مراكش وتادلة إلى موضوع للدراسة الأكاديمية العميقة، محتفيا بمسار الباحث المصطفى فرحات الذي استطاع عبر إصداراته “النتيفة من تاريخ قبيلة انتيفة” و”طقوس وعادات أهل بزو” أن يضع لبنة أساسية في بناء التاريخ الوطني انطلاقا من المجهر المحلي.

انطلقت أشغال اليوم الدراسي في أجواء طبعتها الرصانة العلمية والتقدير المؤسساتي؛ حيث افتتحت السيد مدير المؤسسة، الأستاذ نبيل داوغري الجلسة بكلمة سلّط فيها الضوء على القيمة الرمزية لهذا المحفل، معتبرا إياه محطة متميزة للاحتفاء بالبحث في الذاكرة المحلية، ومشيدا بمجهودات الباحثين في توثيق تاريخ وصون تراث المنطقة.

وفي مداخلته التي حملت أبعادا وجودية ومنهجية، بسط الباحث المصطفى فرحات فلسفته في الكتابة والبحث. انطلق فرحات من مبدأ الاعتراف بالجميل لبلدته بزو، معتبرا أن مشروعه الفكري ليس مجرد ترف أكاديمي، بل هو استجابة لنداء داخلي يلح على استعادة الذاكرة التي يصفها بـ “الخائنة”. الذاكرة الخائنة، في تصور فرحات، هي تلك التي تتلاشى برحيل جيل الشيوخ الحاملين للمرويات، وهي الذاكرة التي غمطت حقها في التدوين الرسمي.

يرى فرحات أن بلدة بزو تمتلك عمقا تاريخيا يجعلها “أقدم من بعض الحواضر الكبرى” التي نالت حظا وافرا من الاهتمام الأكاديمي. وتتجلى هذه الأقدمية في الموقع الاستراتيجي لبزو كحلقة وصل غنية بالثقافة، تربط بين الطريق الصحراوية ومدينة مراكش في اتجاه بني ملال وعقد تادلة. إن دافع فرحات الشخصي هو “رد الدين” لبيئة شكلت وجدانه، وهو ما جعله ينقب في أرشيفات “هسكورة” و”انتيفة” ليخرج تاريخا منسيا إلى حيز الوجود، مؤكدا أن “الذاكرة لا تمحى والتاريخ مسؤولية”.

انطلقت الجلسة العلمية الأولى برئاسة الأستاذ طارق أيت علال، تحت عنوان “البحث في التاريخ وإشكالية التوثيق”، في محاولة لمساءلة المنجز الفكري للأستاذ المصطفى فرحات من منظور نقدي رصين. وقد استدعى المسير في تقديمه تجربة الناقد المصري عبد العزيز حمودة، مستلهما أطروحاته حول ثنائية “النص والمتلقي” ومساءلة النص عبر مدارس نقدية كبرى كالشكلانية والبنيوية والتفكيكية. وخلص أيت علال إلى أن سلطة النص لا تنحصر في الكاتب لحظة التدوين فحسب، بل تمتد لتشمل المتلقي والناقد الذي يمنح العمل حياة متجددة عبر القراءة والتحليل، وهو ما مهد الطريق لمداخلة الأستاذ ياسين سماح التي افتتح بها هذا المسار الفكري.

تمحورت مداخلة الأستاذ ياسين سماح حول استحضار الذاكرة الجماعية من خلال الصوت الباحث الذي يتجاوز مفهومه الفيزيائي ليكون أداة منهجية تنقل الواقع المحلي وتفاصيله الدقيقة إلى المتلقي. ويؤكد الباحث أن الذاكرة الجماعية تمثل خزانا رمزيا يحمي الجماعات من التلاشي، مشيدا بقدرة الأستاذ المصطفى فرحات على تحويل هذه الذاكرة من طابعها الشفهي المتشظي إلى مؤسسة نصية رصينة عبر توظيف الحكايات والأهازيج كوثائق أكاديمية تقارن بالأثر المادي والمخطوط. كما تبرز المداخلة البعد النسقي في أعمال فرحات الذي يختزل صوت الجماعة ويستنطق “صوت المكان” عبر رصد التحولات المجالية والأعلام الجغرافية للمنطقة.

من أهم المحطات التي ميزت هذا اليوم الدراسي أيضا، القراءة النقدية التي قدمها الأستاذ محمد صماد حول كتاب “طقوس وعادات أهل بزو”. ركز صماد على كيفية نجاح المصطفى فرحات في ممارسة “فك الارتباط” مع الرؤية الاستشراقية والأنثروبولوجيا الكولونيالية التي هيمنت على دراسة المجتمع المغربي لفترة طويلة. هذه المدرسة، التي يمثلها باحثون أمثال إدموند دوتي، وإرنست غيلنر، وبول باسكول، كانت تنظر إلى الطقوس المغربية من زاوية “الغرابة” أو كبقايا “سحرية بدائية”.

أوضح صماد أن فرحات عارض توصيف إدموند دوتي للطقوس المغربية كبقايا وثنية، مبرزا أن طقوس بزو هي “نظام عقلاني” لتدبير الوجود وتنظيم الزمان الاجتماعي وليست مجرد خرافات معزولة. كما انتقد فرحات بشكل ضمني نموذج “إرنست غيلنر” في كتابه “صلحاء الأطلس”؛ فبينما ركز غيلنر على الوظيفة السياسية المحضة للولي كـ “محكم انقسامي”، يرى فرحات أن الولي في بزو هو جزء من “فيزياء الأرض” (الكهوف والعيون)، أي أن له بعدا سيميائيا وجيومرفولوجيا يتجاوز الدور السياسي الجاف.

أما بخصوص بول باسكول، فقد سجل صماد أن فرحات، رغم احترامه للمادية التاريخية لباسكول، عارض “الاختزال المادي” الذي غيب البعد الروحي؛ فالموارد في بزو (مثل الماء) ليست مجرد “وسيلة إنتاج”، بل هي “كائن طقوسي” له قدسية خاصة.

تم قدمت الأستاذة أسماء أكوتي قراءة تحليلية لمتن كتاب “النتيفة من تاريخ قبيلة انتيفة”، مبرزة قيمته كعمل توثيقي جاد يطمح لاستنطاق تاريخ “الهامش” المنسي. وقد استعرضت المداخلة الهيكل المعرفي للكتاب الذي يتوزع عبر خمسة فصول متكاملة؛ استُهلت بضبط الدلالات اللغوية والمجالية للسكان وأصولهم الإثنية، تلا ذلك تتبع للمسار التاريخي للمنطقة منذ ما قبل الإسلام وصولا إلى الدولة العلوية. كما توقفت المداخلة عند رصد المشهد التعليمي المتمثل في المدارس العتيقة والزوايا، وتحليل الظواهر الاجتماعية والتمازج الثقافي وتمثلات المقدس، وصولا إلى استعراض الملامح الاقتصادية والأنشطة الفلاحية والرعوية التي لاءمت البيئة الجبلية للقبيلة.

الجلابة البزيوية كأداة صوفية وبطاقة هوية

لم تكن الجلبة البزيوية في نقاشات اليوم الدراسي مجرد لباس تقليدي، بل تحولت في تحليل الأساتذة خاصة الأستاذ اعمارة الأزهري والأستاذ محمد همامي إلى “بطاقة بريدية” عابرة للحدود وأداة ذات حمولة صوفية عميقة. الجلابة البزيوية، التي تسمى أيضا “الخرقة”، هي نتاج عملية معقدة تبدأ من غسل الصوف في عيون الماء “تامدا” للتخلص من الشوائب، وتمر بمراحل التمشيط و”القرداش” وصولا إلى النسج اليدوي الدقيق الذي يتطلب لمسة أصبع الجراح.

انتقل النقاش في هذا اليوم الدراسي إلى آفاق توظيف هذا التراث في المنظومة التربوية والإعلامية. تم تسليط الضوء على “التوثيق البصري” و”الكتابة السينمائية” كرافد حيوي للكتابة التاريخية. وقد شكل فيلم “تليتماس” نموذجا لهذا التوجه، حيث يتم تحويل الحكايات الشفوية والمتواترة إلى مادة بصرية تجذب الأجيال الصاعدة وتضمن استمرار التاريخ بعيدا عن جفاف المخطوطات.

كما طرح الأستاذ الدكتور اعمارة الأزهري مقاربة “بيداغوجية” هامة، تدعو إلى دمج التراث المحلي في تدريس اللغات. فبدلا من أن تظل مقررات اللغة الفرنسية أو العربية بعيدة عن واقع المتعلم، يمكن الانطلاق من “المحلي” لتقريب اللغة للمتعلم. إن دراسة “الجلبة البزيوية” كمقطع بيداغوجي تجعل من اللغة أداة للوساطة الثقافية والهوية، وتعطي للتعلمات معنى حقيقيا يربط التلميذ ببيئته.

بزو كنموذج “فردوسي” في المتخيل الشعري

قدم الأستاذ محمد همامي مداخلة لافتة حول “الشاهد الشعري” في كتابات المصطفى فرحات، مبرزا كيف تحولت بزو من مجرد نقطة جغرافية إلى فضاء مثالي يتجاوز الواقع نحو النموذج “الفردوسي”. من خلال تحليل أشعار المختار السوسي والشاعر سيدي محمد بن سعيد الهنفي، أوضح همامي أن الطبيعة في بزو ليست جمادا، بل هي “كائن حي” يضحك ويثمر ويتفاعل مع الإنسان.

يتحول الوصف الشعري في أعمال فرحات من المستوى الموضوعي إلى المستوى الذاتي التخييلي؛ فبزو هي “جنان الخلد” التي فيها “ما لا عين رأت ولا أذن سمعت”. هذا التمثيل الجمالي يجعل المتلقي يسافر بخياله عبر ألوان الطبيعة التي تشبه “تفتح العقيق والفضة والكنز”. إن حضور “النسق الطبيعي” ممتزجا بـ “النسق العمراني” (القلعة الغراء) يعكس شدة انبهار الشعراء والعلماء بجمال بزو وكرم أهلها.

رغم الغنى الذي طبع أشغال هذا اليوم الدراسي، لم يغفل الباحثون طرح التحديات التي تواجه البحث في التاريخ المحلي. أشار الأستاذ عبد الإله بوعافية إلى “صعوبة الوصول للمصادر”؛ فالكثير من الوثائق لا تزال حبيسة العائلات التي ترفض الكشف عنها لاعتبارات ثقافية. كما حذر من خطر “الإغراق في الجزئيات” والاهتمام المبالغ فيه بالأسماء والقبائل على حساب القضايا التاريخية الجوهرية والتحولات العميقة.

إن الرهان الحقيقي، كما خلص اللقاء، هو نهج مقاربة علمية تربط “المحلي” بـ “الوطني”. فدراسة الحركة الوطنية في بزو مثلا يجب أن تفهم في سياق ارتباطها بتنظيمات الدار البيضاء وبني ملال، لكي لا يظل التاريخ المحلي منغلقا على نفسه ومعزولا عن سياقه العام. التاريخ المحلي الناجح هو الذي يجعل من بزو “نموذجا مجهريا” لفهم آليات اشتغال المجتمع المغربي ككل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.