عن الأمازيغية وإسرائيل ..قلم :رشيد الحاحي

68

قلم :شيد الحاحي

 

 

 

طلب مني بعض الأصدقاء إبداء رأيي بخصوص ما نشره السيد الريسوني على صفحته بوسائل التواصل الاجتماعي، والنقاش المثار. وبعد الاطلاع على ما كتبه، تبين لي أن ما يجب توضيحه يتجاوز ما كتبه الريسوني إلى تناول الموضوع في أبعاده وأسبابه المختلفة، وفي علاقة بالخطابات والمشاريع السياسية والأيديولوجية المستشرية في صفوف عدة تيارات ومريديها وضحاياها في المجتمع، وردودهم وافتراءاتهم في النقاش العمومي. وسنوضح ذلك كما يلي:

سيكون من السذاجة البحث عن أسماء المؤسسات والأشخاص واللقاءات والتواريخ… التي ذكرها المعني ومحاولة التأكد من وجودها، ومن التناقض في سرديته المكشوفة. فمن جهة، من الواضح جداً أن ما أورده لا يستند على أي مراجع أو مصادر أو وثائق، بقدر ما هو من نسجه أو نسج من مده به، يسعى إلى التهويل ولا يخلو من “فونتازم” مبالغ فيه. ثم لأن فكرة المؤامرة والدعم الخارجي والاختراق هي اختصاص التيارات القومية البعثية والإسلامية. فالمنطق الذي يمتلكهم هو أنه، كما يستفيدون في حركاتهم وتياراتهم ومشاريعهم العروبية والإسلامية من دعم الخارج وعائدات الولاء والاختراق والدعم الثقافي والسياسي والأيديولوجي والمالي من دول ومنظمات أجنبية منذ السبعينات من القرن الماضي إلى البارحة، فكل الحركات والمشاريع الأخرى الثقافية والهوياتية، والأمازيغية بالخصوص، لا يمكن إلا أن تكون مدعومة ومسخرة في مشاريع وخطط غير المعلنة والواضحة. منطقهم وعقلية المؤامرة و”التسخير” الأيديولوجي هذه لا يمكنها استيعاب وتقبل بأن ما حققه الأمازيغ والحركة الأمازيغية سياسياً وثقافياً ومجتمعياً في المغرب هو بفضل إمكانياتهم الذاتية ومشروعية قضيتهم وتأصلها التاريخي والاجتماعي، وعملهم العلمي والفكري والحقوقي الموضوعي والمصحح لمختلف أشكال الاستلاب الهوياتي والاستبداد والهيمنة الأيديولوجية والثقافية والسياسية، بما فيها تيارات وداعمي القومية والإسلام السياسي.

يكفي تحليل الخطابات الرسمية والمؤسساتية وحتى السياسية والحزبية الإسرائيلية، وممثلي مصالحها، ليتضح أن إسرائيل غير مهتمة بل وممتعظة من خطاب وحتى اسم الأمازيغية والأمازيغ، ولا تريد أن تكون بديلاً للعربية والعرب في الخطاب والتداول ولو على مستوى الوصف والتسمية، لأن إسرائيل تخوض صراعها منذ نصف قرن مع العرب والعروبة والتيارات القومية والإسلامية والأنظمة العروبية، وتريد أن يكون انتصارها انتصاراً على العرب والعروبة، والانهزام انهزام العرب والإسلاميين. فتتشبث بالوصف والانتماء القومي العربي لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويهمها أن تتم الانتصارات والتغييرات، وكذا المفاوضات وأعمال التطبيع السياسي والثقافي مع الأنظمة والشعوب تحت مسمى ويافطة العربية والقومية العربية والإسلامية.

الأمازيغ ليسوا في حاجة إلى إسرائيل ولا إلى أي دولة أو انتماء ودعم أجنبي لتحقيق مشروعهم الثقافي والمجتمعي والنهضوي الكبير، لأنه، عكس المشاريع والخطابات والتيارات الوافدة والمستلبة، هو مشروع فكري وحضاري وتصحيحي متأصل في التربة ومجاله التاريخي والوطني المغربي، وطنه الوحيد الذي يعمل به ومن أجله. وإسرائيل ليست في حاجة إلى الأمازيغية والحركة الأمازيغية لتحقيق انتصارها السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي على الدول والتيارات العربية والإسلامية المتصارعة معها بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لأنها دولة نووية منذ 1972، وتتحكم في موازين القوى السياسية والاقتصادية في العالم، وهي تحتضن وتخترق وتدعم القوى الكبرى بما فيها الداعمة لتيارات اليسار القومي والإسلام السياسي، ولا حاجة لها بالجمعيات والباحثين والمفكرين والفنانين والطلبة والمناضلين الأمازيغيين الشرفاء والأكفاء.

المتحدثون بإفراط عن هواجس التشتيت والتفريق والاختراق واتهام الحركة الأمازيغية بذلك، هم العاملون الفعليون على التشتيت والتفرقة انطلاقاً من ولاءاتهم الأجنبية، وانتماءاتهم الأيديولوجية وصراعاتهم المتطرفة وخوفهم من الديمقراطية واحقاق الحقوق ومن مشروع الإنصاف والتفعيل السياسي والمؤسساتي للثقافات والهويات الأصلية والمنفتحة للشعوب، ومنها الأمازيغية. فمن شتت ودمر العراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين… أليست هي الحركات والأنظمة القومية والإسلامية التي نصبت عداءها للمكونات الثقافية الأخرى ولمشاريع الدمقرطة الفعلية والانخراط في دول المواطنة والتعدد الثقافي والحداثة؟ سيكون من الغباء اتهام إسرائيل أو الأكراد أو الدروز أو الأقباط أو الأمازيغ… بذلك؟ ومن الممكن جداً أن يكون أمثال ناشري ومروجي هذه الادعاءات ومتزعمي هذه التيارات هم العملاء الفعليون لدول وأطراف أجنبية ومنها إسرائيل نفسها، لأنهم يثبتون الصفة العربية والإسلامية للشعوب والدول، ويبررون تخلف الشعوب وعنفها وتعصبها، ومآل خطاباتهم ومشاريعهم العاطفية المهزومة.

كلما تأزمت خطابات التيارات القومية والإسلامية ومشاريعهم وتكبدوا صدمات الفشل والغبن السياسي والأيديولوجي، وبدل تقييم مواقفهم ومرجعياتهم وإعادة النظر في العديد من الأوهام والمقولات والأحكام التي ينبني عليها وجودهم كظاهرة صوتية وحماسية، يسارعون إلى إلصاق إخفاقاتهم وكسادهم بالأمازيغية والحركة الأمازيغية، حيث يلتقي الإسلاميون والقوميون واليساريون وبعض المغفلون والمفتقرين إلى الوعي العلمي والسياسي والاجتماعي الفعلي لفهم عمق الإشكالات والتصورات الفكرية الموضوعية، حتى تشكلت لديهم “متلازمة ويحمان” التي تلخص في الربط الأوتوماتيكي وأحياناً الهستيري للأمازيغية بإسرائيل والصهيونية. وهي مجرد ميكانيزم نفسي أيديولوجي للتعويض عن الإخفاق وصدمة الحقيقة والواقع والقوى، وسقوط الأوهام والعواطف وتقدم الأمازيغ والأمازيغية في مشاريع التصحيح والإنصاف والتغيير الفكري والسياسي والمؤسساتي في الراهن والمستقبل.

ما كتبه الريسوني مفيد جداً، ليس في محتواه وادعاءاته الكاذبة والمهووسة بالمؤامرة والاستعداء، بل لأنه يؤكد مكانة الأمازيغ والأمازيغية ومشروعهم النهضوي والوطني في الراهن والمستقبل، وبداية تحققه الفكري والاجتماعي مما يهدد حظوظ ومطامح المشاريع والتيارات المستلبة والفاشلة، وارتباطاتها وولاءاتها الأجنبية. ولأنه يتيح فرصة لكشف التوظيف الأيديولوجي للافتراء والتهويل لكسب ثقة وتعاطف الناس، ومنهم للأسف الكثير من الضحايا الذين يثقون ويرددون هذه الأحكام والعبارات دون علم ووعي بحقيقتها وخلفياتها. ولأنه فسح المجال للتعبير والكشف عن النفاق والازدواجية عند العديد ممن حاولوا دائماً إخفاء عدائهم أو على الأقل انزعاجهم وامتعاضهم من الأمازيغية وحركتها الديمقراطية والحقوقية وإنتاجها المعرفي والإبداعي وتحققاتها المجتمعية والسياسية والهوياتية في فضاء المغرب المعاصر، خاصة المتماهين مع الجهل والمحسوبين على البحث والجامعة والوعي المتقدم والمعرفة، للأسف الشديد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.