حمّى البكالوريا لدى الأسر المغربية: ما الذي تغيّر بين الأمس واليوم حتى أصبحت البكالوريا تثير كل هذا الاهتمام؟

95

قلم : ذ.حسن تزوضى

 

مع اقتراب موعد امتحانات البكالوريا من كل سنة دراسية، تدخل الكثير من الأسر المغربية في حالة استنفار جماعي، حيث تتغير أجواء البيوت واهتماماتها، وتتصدر الامتحانات نشرات الأخبار وصفحات التواصل الاجتماعي، وتصبح البكالوريا موضوع حديث الجميع في الفضاءات العمومية كالمقاهي والادارات والأزقة والشوارع. أما داخل البيوت، فيتحول التلميذ إلى محور اهتمام يومي، وكأن مستقبل الأسرة بأكملها معلق على نتيجة امتحان الباكلوريا وحده لا غير .
إذا عدنا إلى التاريخ القريب نجد أن مسألة الاهتمام بالباكالوريا ليست جديدة داخل المجتمع المغربي ، فقد كانت هذه الشهادة الدراسية تحظى دائما بمكانة خاصة داخل المخيال الاجتماعي المغربي، لكن في العقود الاخيرة اصبح هذا الاهتمام مبالغ فيه إلى درجة أنه اصبحت ترافقه ممارسات وسلوكات غريبة لم يسبق لها وجود. هنا لابد من طرح السؤال التالي: ما الذي تغير بين الأمس واليوم حتى تحولت البكالوريا من امتحان دراسي عادي إلى ما يشبه حمى تصيب الكثير من الأسر المغربية؟
في الماضي كانت البكالوريا تمثل رمزًا للترقي الاجتماعي فمجرد الحصول عليها يمنحك الفرصة لولوج الوظائف، ففي مجتمع كانت فيه نسب التمدرس محدودة، وكان عدد الحاصلين على هذه الباكلوريا قليلًا، يعد النجاح فيها حدثًا استثنائيًا يثير الفخر داخل الأسرة والحي والقرية، فهذه الشهادة يُنظر إليها باعتبارها مفتاحًا شبه مضمون للوظيفة العمومية والترقي الاجتماعي، لذلك الاهتمام بها كان مشبعًا بالأمل والطموح أكثر مما كان مشبعًا بالخوف والقلق.
بالأمس الأب البسيط يرى في نجاح ابنه انتصارًا للأسرة كلها، وكانت الأم تعتبر الشهادة ثمرة سنوات من التضحية والصبر، ورغم ذلك لم تكن الباكالوريا تثير كل هذا اللغط الذي أصبحت تثيره اليوم، فحتى الرسوب أو عدم الحصول على نقطة جيدة لا ينظر إليه – كما هو اليوم- باعتباره كارثة وجودية أو نهاية للمستقبل، بل مجرد تعثر يمكن تجاوزه.
أما اليوم فقد تغيرت أشياء كثيرة، ليس فقط داخل المدرسة، بل داخل المجتمع بأكمله، لقد توسعت دائرة التمدرس والتعليم العالي، وأصبحت البكالوريا شهادة يحصل عليها مئات الآلاف من التلاميذ سنويًا. ونتيجة لذلك فقدت شهادة الباكالوريا ندرتها الرمزية وقيمتها العلمية، لكنها اكتسبت في المقابل قيمة جديدة مرتبطة بالمنافسة الشرسة على الفرص التعليمية والمهنية.
لم يعد الحصول على البكالوريا هو الهدف في حد ذاته، بل أصبح مجرد خطوة أولى في سباق طويل ومعقد نحو المدارس العليا والكليات ذات الاستقطاب المحدود والتخصصات التي يُعتقد أنها تضمن مستقبلًا مهنيًا أفضل.
هنا بالتحديد حدث التحول العميق في وعي الأسر المغربية، حيث لم يعد السؤال: هل سينجح الابن أو الابنة في الباكالوريا؟
بل أصبح: كم سيحصل من نقطة؟
هل سيحصل على ميزة؟
هل سيتمكن من ولوج كلية الطب أو الهندسة أو إحدى المؤسسات المرموقة؟
لقد انتقلنا من ثقافة النجاح إلى ثقافة التفوق، ومن البحث عن المعرفة إلى البحث عن الرتبة، ومن الاهتمام بالتعلم إلى الانشغال بالنقطة، هذا التحول العميق في نظرنا ليس بسيطًا كما قد يبدو للكثيرين، إنه يعكس انتقال المجتمع المغربي من منطق الفرص الواسعة نسبيًا إلى منطق المنافسة الحادة على الموارد المحدودة. فكلما ضاقت الفرص، ازدادت أهمية الامتحانات التي تتيح الوصول إليها.
كما أن التحولات الاقتصادية ساهمت في تعميق هذه الحمّى، ففي الوقت الذي توسع فيه التعليم، تراجعت قدرة الشهادات على ضمان الاندماج المهني كما كان الحال في السابق. وأصبح شبح البطالة يطارد حتى حاملي الشهادات العليا. وهكذا وجدت الأسر نفسها أمام مفارقة صعبة: مستقبل أكثر غموضًا وفرص أقل يقينًا، مما جعلها تتشبث بالبكالوريا باعتبارها إحدى المحطات القليلة التي ما تزال تمنح شعورًا بإمكانية التحكم في المستقبل.
ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من القلق الجماعي الذي يحيط بهذا الامتحان، فحمّى البكالوريا ليست في جوهرها خوفًا من الامتحان نفسه، بل خوف من المستقبل الذي يمثله الامتحان في المخيال الاجتماعي، وإذا كانت التحولات الاقتصادية قد غذّت هذه الظاهرة، فإن وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي ساهمت في تضخيمها إلى مستويات غير مسبوقة.
في السابق، كانت نتائج الامتحانات تبقى في نطاق الأسرة أو المؤسسة التعليمية. أما اليوم فقد أصبحت موضوعًا للعرض العمومي والتقييم الجماعي، بحيث تنشر المعدلات على نطاق واسع، وتتداول صور المتفوقين، وتُصنع قصص النجاح الاستثنائية، وتُعقد المقارنات بشكل يومي بين التلاميذ والأسر.
وهكذا لم يعد التلميذ يواجه امتحانًا فقط، بل يواجه أيضًا نظرة المجتمع وتوقعاته، إنه لا يخشى الرسوب في الإمتحان فحسب ، بل يخشى المقارنة والتشفي ، ولا يخشى الفشل الدراسي فقط، بل يخشى الفشل الاجتماعي والرمزي.
ومن جهة أخرى، برزت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة الدروس الخصوصية باعتبارها أحد أعراض هذه الحمّى الجماعية،
فقد أصبح عدد كبير من الأسر تنفق جزءًا مهمًا من دخلها على حصص الدعم والمواكبة، اعتقادًا منها أن النجاح بمعدل مرتفع لم يعد ممكنًا بالاعتماد على المدرسة وحدها، وهكذا تحولت البكالوريا إلى سوق تربوية موازية، تتداخل فيها رهانات التعليم مع رهانات الاقتصاد والاستهلاك والمكانة الاجتماعية.
لكن التحول الأكثر دلالة ربما هو انتقال القلق من التلميذ إلى الأسرة بأكملها.
لقد أصبح الأبوان يعيشان الامتحان كما لو أنه امتحانهما الشخصي، حيث تتغير أجواء البيوت ورهاناتها، وتُؤجل بعض الأنشطة العائلية، وتزداد التوترات والانفعالات، وأحيانًا يتحول الضغط الأسري نفسه إلى عبء نفسي إضافي على التلميذ، والحال أن هذا الوضع يكشف عن مشكلة أعمق تتعلق بطريقة نظر المجتمع إلى النجاح، ففي كثير من الأحيان يتم اختزال قيمة الإنسان في نتيجة مدرسية، واختزال سنوات من التعلم والتكوين في نقطة ورقم يوضع بجانب الاسم.
إن المجتمعات الحديثة تميل بشكل متزايد إلى تحويل الإنسان إلى مجموعة من المؤشرات والأرقام والنتائج القابلة للقياس، وتصبح النقطة الدراسية معيارًا للحكم على الذكاء والكفاءة والاستحقاق، بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.
فالامتحان يقيس جزءًا من المعارف والمهارات في لحظة معينة، لكنه لا يستطيع قياس الإبداع، ولا قوة الشخصية، ولا الذكاء الاجتماعي، ولا القدرة على تجاوز الصعوبات، ولا الإمكانات المستقبلية للفرد.
ولهذا فإن أكبر خطر تطرحه حمّى البكالوريا اليوم ليس القلق في حد ذاته، بل الاعتقاد الجماعي بأن مستقبل الإنسان يمكن أن يُختزل في امتحان واحد.
إن البكالوريا محطة مهمة دون شك، لكنها ليست قدرًا نهائيًا، وليست المعيار الوحيد للنجاح، لقد نجح المجتمع المغربي في جعل البكالوريا حدثًا وطنيًا بامتياز، لكنه في المقابل حمّلها أكثر مما تحتمل.
فإذا كانت البكالوريا بالأمس رمزًا للأمل في الصعود الاجتماعي، فإنها أصبحت اليوم مرآة تعكس قلق مجتمع يعيش تحت ضغط المنافسة وعدم اليقين وتضخم التوقعات.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا تخاف الأسر من البكالوريا؟
بل أصبح: لماذا أصبح المجتمع كله يربط مصير أبنائه بامتحان واحد؟
إن التحدي الحقيقي ليس في إنجاح التلاميذ في الامتحانات فقط، بل في إعادة التوازن إلى علاقتنا بالتعليم والنجاح والمستقبل.
لأن قيمة الإنسان أكبر من نقطة، ولأن الحياة أوسع من شهادة، ولأن بناء مجتمع متوازن يبدأ حين نتوقف عن اختزال مصير الأفراد في ورقة امتحان، مهما كانت أهميتها.
…طالب باحث في الفلسفة، وفاعل تربوي.