من السوق إلى الشاشة:  حين يصبح الهامش مادة للفرجة .. قلم :أحمد لعيوني

44

قلم :أحمد لعيوني

 

 

 

في زمن الحداثة السائلة وصعود اقتصاد الانتباه الرقمي، لم تعد المؤسسات التقليدية والنخب الأكاديمية وحدها تحتكر سلطة إنتاج المعنى وتوجيه الرأي العام، بل انتقلت أجزاء مهمة من هذه السلطة إلى فاعلين رقميين جدد استطاعوا تحويل الهواتف الذكية والمنصات الرقمية إلى أدوات مؤثرة في تشكيل الوعي الجماعي. وأصبحت الفضاءات الشعبية والأسواق القروية، التي كانت في السابق أماكن محلية للتبادل الاقتصادي والاجتماعي، مسارح مفتوحة تُنتج فيها الصور والقصص والعواطف ضمن منطق تحكمه المشاهدة والتفاعل والانتشار.

من منظور سيميائي، لا تُعدّ الكاميرا مجرد أداة محايدة تنقل الواقع كما هو، بل هي جهاز لإنتاج المعنى وإعادة بناء الواقع. فالصورة لا تعكس العالم فقط، وإنما تختار منه ما ينبغي إظهاره وما يجب إخفاؤه. لذلك، عندما يُصوَّر السوق القروي أو التاجر البسيط أو الحرفي الهش، فإننا لا نشاهد الواقع مباشرة، بل نشاهد تمثيلاً له صاغته زاوية التصوير، وطريقة السرد، وانتقاء المشاهد، وتعليقات صانع المحتوى.

هنا يمكن الاستفادة من أفكار عالم الاجتماع الفرنسي Pierre Bourdieu الذي يرى أن الفاعلين الاجتماعيين لا يتحركون داخل فراغ، بل داخل حقول اجتماعية يتنافسون فيها على أشكال مختلفة من الرأسمال؛ الاقتصادي والثقافي والرمزي. وفي هذا السياق، يصبح صانع المحتوى فاعلاً يسعى إلى اكتساب رأسمال رمزي يتمثل في الشهرة والثقة والإعجاب الاجتماعي. فكل صورة مؤثرة، وكل قصة إنسانية، وكل مشهد للفقر أو الحاجة، قد يتحول إلى مورد رمزي يعزز مكانته داخل الفضاء الرقمي ويمنحه سلطة التأثير والاعتراف.

وبدل أن يظل السوق فضاءً اقتصادياً تحكمه علاقات العرض والطلب، يتحول أحياناً إلى فضاء رمزي تُدار فيه المنافسة حول الانتباه والمشاعر. فالمعاناة الإنسانية لا تُعرض فقط باعتبارها مشكلة اجتماعية تحتاج إلى معالجة، بل قد تصبح مادة قابلة للتداول داخل سوق رقمي تُقاس قيمته بعدد المشاهدات والإعجابات والتفاعلات.

ومن زاوية أخرى، تساعدنا أفكار الفيلسوف الفرنسي Paul Ricœur على فهم الكيفية التي تُبنى بها الحكايات الرقمية. فريكور يرى أن الإنسان يفهم العالم من خلال السرد، وأن القصص ليست مجرد نقل للأحداث، بل عملية تنظيم وتأويل تمنح الوقائع معنى معيناً. لذلك فإن الفيديو الرقمي لا يقدّم الواقع كما هو، بل يعيد حبك عناصره داخل قصة درامية تتضمن شخصيات وأحداثاً وعواطف ونهايات مؤثرة.

في هذا الإطار، يصبح التاجر البسيط أو الحرفي أو المرأة القروية شخصية داخل سردية رقمية تُصاغ بعناية لإثارة التعاطف أو الدهشة أو الحنين. ويجد المشاهد نفسه مندمجاً في هذه الحكاية، يشعر بالقرب من الأشخاص الذين يراهم، رغم أن معرفته بهم تمرّ عبر وسيط رقمي يتحكم في طريقة ظهورهم وتمثيلهم.

وتزداد أهمية هذا البعد السردي عندما يتعلق الأمر بمغاربة العالم الذين يتابعون هذه المحتويات. فالفيديو لا ينقل لهم صورة عن الواقع فحسب، بل يوقظ لديهم مشاعر الانتماء والنوستالجيا والارتباط بالمكان الأصلي. ومن ثمّ يتحول الدعم المالي أو التبرع إلى استجابة عاطفية لسردية مؤثرة أكثر مما يكون استجابة لتحليل موضوعي لأسباب الفقر والهشاشة.

غير أن هذه الدينامية تطرح إشكالات أخلاقية وسوسيولوجية معقدة. فمن جهة، تساهم المنصات الرقمية في توثيق الحياة اليومية وحفظ جانب من الذاكرة الاجتماعية والثقافية للمناطق المهمشة، كما تتيح لفئات ظلت بعيدة عن التغطية الإعلامية أن تصبح مرئية داخل الفضاء العمومي. ومن جهة أخرى، قد تؤدي إلى تحويل المعاناة الإنسانية إلى سلعة رمزية قابلة للاستهلاك والتداول.

وتظهر هنا مفارقة لافتة؛ فالتكنولوجيا الأكثر تطوراً، والخوارزميات الأكثر تعقيداً، وأنظمة الدفع العابرة للحدود، تُستخدم أحياناً لإعادة إنتاج أنماط تفكير تقوم على الاستعطاف العاطفي والبحث عن الحلول الفردية الآنية، بدل مساءلة البنيات الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي تنتج الفقر والتهميش.

ومن منظور نفسي، تكشف هذه الممارسات عن حاجة إنسانية عميقة إلى الاعتراف الاجتماعي. فالمتبرع يبحث عن الشعور بالرضا الأخلاقي، وصانع المحتوى يسعى إلى التقدير والانتشار، بينما يجد المحتاج نفسه داخل علاقة غير متكافئة قد تتحول فيها حاجته الواقعية إلى وسيلة لإنتاج القيمة الرمزية للآخرين. وهنا يتحول الامتنان والدعاء والتعاطف إلى عناصر فاعلة داخل اقتصاد الانتباه، حيث تصبح العواطف نفسها مورداً قابلاً للاستثمار.

إن الرهان الحقيقي لا يكمن في رفض هذه الظواهر أو قبولها بصورة مطلقة، بل في امتلاك قراءة نقدية للصورة الرقمية. فالسيميائيات الحديثة تعلمنا أن كل صورة تحمل رسائل ظاهرة وأخرى خفية، وأن ما يُعرض أمام الكاميرا لا يقل أهمية عما يتم إخفاؤه خارج إطارها. كما يذكرنا بورديو بأن وراء كل خطاب مصالح ورهانات رمزية، بينما يدعونا ريكور إلى تفكيك السرديات التي تمنح الوقائع معناها.

لذلك فإن المطلوب اليوم ليس فقط مشاهدة الصور، بل قراءة أنظمتها الرمزية، وفهم علاقات السلطة التي تنتجها، والتمييز بين التوثيق الحقيقي والتسليع العاطفي. فالكاميرا لا تنقل الواقع فحسب، بل تشارك في إعادة إنتاجه، ضمن منطق تتقاطع فيه الخوارزمية مع السرد، والفرجة مع السلطة، والانتباه مع السوق.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.