الگوم المغاربة بين فيلمين.. قلم : علي الوكيلي 

66

قلم : علي الوكيلي 

لا أدري كيف تحولت كلمة “القوم” إلى “الكوم” بالجيم الأعجمية، لكن الدارجة المغربية تعودت على هذا القلب الصوتي حين تصادف حرف القاف القوي، حتى أن كثيرا من المغاربة ينطقون فعل “قال” بهذه الجيم: كال لي، كلت لو. والمهم أن الفرنسيين انتخبوا مجموعة من المغاربة ليشكلوا طوابير عسكرية، تكون تابعة للجيش الفرنسي تأطيرا وتدريبا وتسليحا، أو أن هؤلاء تطوعوا بمقابل راتب محترم، يخرجهم من الفقر الذي كانوا يعيشون فيه في المناطق الجبلية. وكان السواد الأعظم من الكوم أمازيغ لا يعرفون العربية أو لا يتقنونها، وقد احتاجوا أحيانا إلى ترجمان ينقل المعنى بين الفرنسية والأمازيغية.

هؤلاء الكوم مسلمون، رغم أن البعض منهم لم يكن يعرف العربية، لكن الفقهاء والأئمة كانوا يقربون لهم دينهم. ولا شك أن إقناعهم بالمشاركة في الحرب كان يجب تطمينهم معه على كون ما سيقومون به لا يختلف عن الجهاد في سبيل الله ومن ثم تتحقق الشهادة، وذلك من أجل مزيد من التشجيع والتحفيز.

التاريخ يروي عن الكوم أحداثا كثيرة أكدت قوتهم وشجاعتهم وخوضهم للأخطار والمصاعب. وقد اعترف الحلفاء الذين حاصروا جبل كاسينو والدير الذي تحصن فيه الألمان أثناء الحملة على إيطاليا، أنه لولا الكوم الذين تسربوا عبر الجبل إلى طرق وعرة لم يتوقع أعداؤهم أن يتم الهجوم عليهم عبرها، لبقي جيش الحلفاء معاقا هناك مدة أطول. كما أن الكوم ساهموا بشكل كبير في تحرير جزيرة كورسيكا ومدينة مارسيليا.

هذه البطولات الخارقة، وسّختها بعض الادعاءات من جانب المدنيين الإيطاليين، الذين كانت قراهم في طريق الكوم. ونحن لم نرد أن نرجع إلى التاريخ لأنه متشعب وكثير التفاصيل المتناقضة أحيانا بمجرد تغيير زاوية النظر، لذلك اقتصرنا على ما يقوله فيلمان، أحدهما إيطالي والآخر فرنسي.

1- الماروكينات

وهو من إخراج فيتوريو دي سيكا وبطولة صوفيا لورين وجون بول بيلموندو سنة 1960، وفيه يعرض الفيلم قصة غتصاب الكوم للنساء والبنات الإيطاليات وقتل من يقاوم من الرجال. وفيه تضطر سيزيرا هي وابنتها روزيتا إلى الهروب من القصف واللجوء إلى منطقة تشيوتشاريا، وحين يعود الهدوء وينسحب الألمان يدخل الحلفاء إلى القرى الموجودة هناك، وعلى رأسهم الجيش الفرنسي، الذي لم يتحكم في تحرك الكوم كما في لحظات الحرب، فتتعرض المرأة وابنتها وأخريات إلى اغتصاب فظيع في مبنى مهجور. والفيلم يركز خاصة على دور الأم في حماية ابنتها قبل الأحداث ومحاولة رأب ما انكسر بعد ذلك. الفيلم صريح في توجيه الاتهام للكوم المغاربة. وكان الروائي الإيطالي مورافيا أكثر صراحة وهو الذي كتب الرواية التي تحولت إلى الفيلم. ويبقى السؤال، لماذا لم يوجه دي سيكا أي اتهام للجيش الفرنسي ولم يشر إلى مسؤوليته فيما وقع.

Indigènes – 2

وهو من إخراج رشيد بوشارب ومشاركة جمال الدبوز، سنة 2006 وفيه يركز المخرج على العدد الكبير من الكوم الذين ضحوا بأرواحهم من أجل فرنسا والحرية والديموقراطية وإسقاط الطغيان. من خلال مجموعة من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم وسط قضية لا تهمهم بشكل مباشر، ومع ذلك لم يكونوا يعرفون سوى القتال، أحيانا من أجل البقاء. لا يغفل بوشارب الجانب العنصري من قِبل أفراد الجيش الفرنسي وبخسهم لكل بطولات الكوم، فهم ليسوا سوى متخلفين تحت سيطرة الحماية الفرنسية ولا يرقون إلى مرتبة أحقر جندي فرنسي أبيض.

الفيلم لا يتكلم أبدا عن الأحداث المأساوية التي وردت في فيلم دي سيكا، ليس هناك اغتصاب ولا قتل ولا اعتداء للكوم على الإيطاليين والإيطاليات. وهو بذلك يقدم وجهة نظر مناقضة للفيلم الأول.

المؤرخون لا ينفون وقوع ضحايا، من ذلك 2000 اغتصاب وحوالي 800 حالة قتل، تخص من حاول الدفاع عن النساء. وقد أدانت السلطات الفرنسية مجموعة من الكوم بالإعدام. غير أن أفظع من هذه الأحداث، خلفت ملايين الضحايا من المدنيين بفعل همجية السوفييت واليابانيين والنازيين أثناء الحرب العالمية الثانية، وهي عُملة متداولة في كل الحروب.

نحن هنا لا ننفي ما قاله التاريخ، لكننا نحمل المسؤولية للفقهاء والأئمة الذين لم يشرحوا للكوم دينهم بقدر ما قد يكونون حرضوهم على أن السبي بعد الانتصار حلال، وأن الموت في سبيل الله وحده يجعل من المسلم شهيدا مؤكدا، أما القضايا التي تخص المستعمر ففيها نظر. كما أن الجيش الفرنسي غض البصر عن اندفاع بعض الكوم، ولم يدربهم على قواعد الحرب الحديثة التي تقدس المدنيين في جميع الأحوال، وحتى الأعداء المسلحين إذا رموا أسلحتهم. وكأني بالكوم يخوضون الغزوات والفتوحات الأولى للإسلام.

لن أنكر قوة الجندي المغربي في الحرب العالمية الثانية ولا في حرب الفييتنام ولا في غيرها من الحروب التي خاضها ضد أعداء بلادنا، ولكن ما أعتز به اليوم أكثر هم حفدة هؤلاء الشجعان الأبطال القدامى، أبطال القوات المسلحة الملكية منذ الاستقلال، الذين ردوا العدوان على المغرب بكل ألوانه، وحرروا الصحراء بدمائهم ولا يزالون يحمون الثغور إلى اليوم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.