نزاهة الانتخابات في المغرب … بين الخطاب الرسمي واختبار الواقع

242
قلم : عبد الجليل ابو الزهور 

 

 

 

كلما اقترب موعد الانتخابات، ارتفعت الأصوات وهي تتحدث عن نزاهة الاستحقاقات، وشفافية العملية الانتخابية، وتكافؤ الفرص، وحياد الإدارة. خطاب يتكرر مع كل محطة انتخابية حتى أصبح جزءاً من الطقوس السياسية أكثر منه التزاماً يلمسه المواطن في الواقع.
فإذا كان القانون يُحمّل وزارة الداخلية، من الإدارة المركزية إلى الولاة والعمال والقياد وأعوان السلطة، مسؤولية السهر على ضمان انتخابات حرة ونزيهة، فإن المطلوب ليس مجرد الحياد السلبي القائم على الاكتفاء بالمراقبة، وإنما حياد إيجابي يفرض احترام القانون، ويمنع كل أشكال استغلال النفوذ والمال، ويحمي إرادة الناخبين من أي تأثير غير مشروع. فالإدارة ليست مطالبة فقط بألا تنحاز، بل مطالبة أيضاً بأن تمنع كل ما من شأنه الإخلال بتكافؤ الفرص بين المتنافسين.
ولتقديم صورة مطمئنة للرأي العام، يُعلن قبل كل استحقاق عن تشكيل لجان لتتبع ومراقبة الانتخابات، ويقال إنها تمثل المجتمع المدني، وتمول من المال العام، وتواكب مختلف مراحل العملية الانتخابية. غير أن السؤال الذي يطرحه كثير من المواطنين يبقى قائماً: هل تمتلك هذه اللجان الاستقلالية والوسائل الكافية للقيام برقابة فعالة، أم أن وجودها يتحول في نظر البعض إلى وسيلة لإضفاء مزيد من المصداقية على مسار انتخابي لا يزال يثير الكثير من النقاش؟
ومن بين أكثر المظاهر التي تثير الجدل مع اقتراب الانتخابات، ما يعتبره كثير من المتابعين توظيفاً للإمكانات العمومية في سياق انتخابي. فتتحول بعض وسائل الجماعات الترابية، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى أدوات للدعاية السياسية، بينما تتسارع في الأشهر الأخيرة من الولاية أشغال ظلت مؤجلة لسنوات. فجأة تُعبد الطرق، وتُرمم المسالك، وتُحفر الآبار، وتُطلق مشاريع استعجالية، وكأن المواطن لا يستحق هذه الخدمات إلا عندما يصبح صوته مطلوباً.
إن التنمية ليست منّة من منتخب، ولا المشاريع العمومية هبات انتخابية، وإنما حقوق دستورية تمول من المال العام. ولذلك، فإن توقيت إنجاز بعض المشاريع قبيل الاقتراع يثير، لدى كثير من المراقبين، تساؤلات حول احترام مبدأ تكافؤ الفرص والفصل بين تدبير الشأن العام والتنافس الانتخابي.
ثم تبدأ الحملة غير المعلنة؛ الولائم الفاخرة، والوعود السخية، واستعراض النفوذ، وما يصفه منتقدون باستعمال المال لاستمالة الناخبين. ويصبح السباق، في نظر كثيرين، سباقاً بين الإمكانات المالية أكثر منه تنافساً بين البرامج والأفكار.
وعندما يحل يوم الاقتراع، تُعلن النتائج سريعاً، ويخرج الفائزون للحديث عن نجاح الديمقراطية ونزاهة الانتخابات، بينما يندد الخاسرون بما يعتبرونه اختلالات شابت العملية الانتخابية. وبعد أيام قليلة، يعود كل شيء إلى سابق عهده، وتختفي شعارات الإصلاح والشفافية، ويبقى المواطن وحده يواجه الغلاء، والبطالة، وضعف الخدمات العمومية.
إن الديمقراطية لا تُقاس بعدد مكاتب التصويت، ولا بكثرة البلاغات الرسمية، بل بمدى اقتناع المواطن بأن صوته حر، وأن الإدارة تقف فعلاً على المسافة نفسها من الجميع، وأن المال والنفوذ لا يصنعان النتائج.
أما إذا استمر المواطن في الاعتقاد بأن الانتخابات تبدأ بالولائم، وتمر عبر استغلال الإمكانات العمومية، وتنتهي بإعلانات رسمية تؤكد أن كل شيء جرى في أحسن الظروف، فإن أزمة الثقة ستتعمق أكثر. وحينها لن يكون السؤال: من فاز بالانتخابات؟ بل سيكون السؤال الأخطر: هل ما زال المواطن يؤمن بأن صوته وحده هو الذي يصنع الفرق؟
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.