الدخول المدرسي: من تدبير مشكلات بداية السنة الدراسية إلى ضرورة التفكير في إصلاح المدرسة المغربية

96

قلم ذ: حسن تزوضى

 

 

مع بداية كل موسم دراسي، يتجدد النقاش حول الدخول المدرسي، وتتحول المدرسة المغربية إلى موضوع للنقاش العمومي، حيث تنشغل مختلف الأطراف والفاعلين في الحقل التربوي بقضايا ترتبط في جانب كبير منها بمدى جاهزية المؤسسات التعليمية لاستقبال المتعلمين، وبالشروط المادية والبشرية الضرورية لانطلاق الدراسة في ظروف ملائمة. هكذا يتركز الاهتمام عادة على قضايا البنية التربوية، وتدبير الموارد البشرية، ومعالجة وضعيات الفائض والخصاص، وإعداد جداول الحصص، وتوزيع المدرسين، وتأهيل المؤسسات، وتوفير التجهيزات والوسائل التعليمية، إلى جانب مختلف الإكراهات اللوجيستيكية والتنظيمية التي ترافق بداية كل موسم دراسي.
ولا شك أن هذه القضايا تحظى بأهمية كبيرة؛ إذ لا يمكن الحديث عن مدرسة جيدة في غياب شروط مادية وبشرية وتنظيمية ملائمة. فلا يمكن للفاعل التربوي التعليمي أن يؤدي وظيفته في ظروف غير مناسبة، ولا يمكن للمتعلم أن يستفيد من تعلمات ذات جودة في مؤسسة تعاني من الاكتظاظ أو الخصاص أو ضعف التجهيزات، كما أن حسن تدبير الموارد البشرية يشكل شرطًا أساسيًا لضمان السير العادي للعملية التعليمية. غير أن اختزال الدخول المدرسي في هذه الجوانب التقنية اللوجستيكية التنظيمية -على الرغم من أهميتها- يجعل النقاش محصورًا في تدبير لحظة الانطلاق، بدل أن يكون مناسبة للتفكير في المدرسة في حد ذاتها جدواها، فاعليتها ومدى أدائها لأدوارها وتحقيقها لغاياتها التربوية والتعليمية.
فالدخول المدرسي ينبغي ألا يكون مجرد عملية تقنية هدفها أن تبدأ الدراسة في موعدها، وإنما ينبغي أن يكون لحظة للتساؤل حول ما إذا كانت المدرسة التي نستقبل بها سنة دراسية جديدة هي المدرسة نفسها التي نريدها لأبنائنا في المستقبل.
إن الأمر يتعلق بضرورة الإنتقال من سؤال الجاهزية إلى سؤال الجودة. فالسؤال الذي يهيمن على النقاش العمومي مع بداية كل سنة دراسية غالبًا ما يكون: هل نحن جاهزون للدخول المدرسي؟ وهو سؤال مشروع، لكنه يظل سؤالًا أوليًا. أما السؤال الأكثر أهمية فينبغي أن يكون: كيف نجعل هذه السنة الدراسية أفضل من سابقتها؟ خاصة وأن المدرسة المغربية مستمرة في مسلسل من الاخفاقات المتوالية، وبناء على ذلك، أعتقد أن النجاح في فتح أبواب المؤسسات التعليمية، وتوفير المدرسين، وضبط جداول الحصص، وتوزيع الموارد البشرية، لا يعني بالضرورة نجاح السنة الدراسية، فرغم أن هذه الإجراءات تشكل شروطًا للانطلاق، إلا أنها لا تشكل وحدها ضمانات لتحقيق تعلم ذي جودة. فقد تبدأ السنة الدراسية في موعدها، لكن دون أن تحقق المدرسة تقدمًا حقيقيًا في مستوى التعلمات. كما أننا قد نوفر الاطر الكافية، دون أن نتقدم خطوة في معالجة الهدر المدرسي. وقد تتحسن البنية التحتية دون أن تتغير علاقة المتعلم بفضاء المدرسة. كما قد تتوفر الوسائل الرقمية دون أن تتغير طرائق التدريس. وهنا ينبغي الانتقال من منطق تدبير الدخول المدرسي إلى منطق تقييم المدرسة والدفع بها نحو تجاوز الازمة المستمرة التي تعذر تجاوزها والقطع معها.
بناء على ماسبق، إذا كان الدخول المدرسي يمثل بداية سنة جديدة، فإن هذه البداية ينبغي ألا تكون منفصلة عن نهاية السنة السابقة، فكل سنة دراسية ينبغي أن تترك وراءها حصيلة من الأسئلة والمعطيات والتقييمات: ماذا تحقق؟ ماذا لم يتحقق؟ أين نجحنا؟ أين أخفقنا؟ ما أسباب التعثر؟ وما الإجراءات التي ينبغي اتخاذها حتى لا تتحول الاختلالات نفسها إلى ظواهر مزمنة؟
إن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يقوم على النسيان الدوري لما سبق. فالمدرسة مثل أي مؤسسة تتطلع إلى التطور، تحتاج إلى ذاكرة مؤسساتية تسمح لها بالتعلم من تجاربها، فكل دخول مدرسي ينبغي أن يكون نتيجةً لتقييم سنة دراشية سابقة، لا مجرد إجراءات تقنية تتكرر لتؤدي الى نفس النتيجة دون أي تغيير ملموس.
وهنا تبرز أهمية ثقافة التقييم؛ ليس التقييم باعتباره آلية للمراقبة والمحاسبة فقط، وإنما باعتباره وسيلة لفهم الواقع وتحديد مكامن القوة والضعف، واتخاذ القرارات المناسبة على أساس المعطيات الواقعية .
تكمن إحدى مشكلات النقاش حول الدخول المدرسي في أنه يميل إلى اختزال المدرسة في عناصر قابلة للجرد والقياس: عدد المؤسسات، عدد الأقسام، عدد المدرسين، عدد التلاميذ، التجهيزات، الموارد المالية…
وكلها عناصر مهمة، لكن المدرسة أكبر من مجموع هذه العناصر، فالمدرسة في جوهرها علاقة تربوية ومعرفية وإنسانية.
إنها العلاقة بين المدرس والمتعلم، وبين المتعلم والمعرفة، وبين المدرسة والمجتمع.
ولهذا فإن إصلاح المدرسة لا يمكن أن يقتصر على إصلاح البنية التحتية أو تحديث المعدات، مهما كانت أهمية ذلك. فالمؤسسة التعليمية قد تكون مجهزة بأحدث الوسائل، لكن ذلك لا يضمن بالضرورة تعلمًا أفضل.
السؤال الحقيقي هو: ماذا يحدث داخل الأقسام الدراسية؟ كيف يتعلم التلميذ؟
ماطييعة البرامج الدراسية؟ ماطييعة المقاربة المتبعة؟ وهل تحقق الغايات المرجوة التربوية والتعليمية والاستراتيجية؟ هل التلميذ يتعلم التفكير أم الحفظ فقط؟ هل يمتلك القدرة على السؤال والنقد والحجاج؟ هل يشعر أن المدرسة فضاء للإنصاف والاعتراف والنجاح، أم فضاء للضغط والامتحان والخوف من الفشل؟
هذه الأسئلة هي التي تقودنا من تدبير المدرسة إلى التفكير في فلسفة المدرسة.
بالإضافة الى ماسبق، لا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي للمدرسة المغربية دون إعادة النظر في موقع المدرس والمتعلم داخل المنظومة التعليمية.
فالمدرس ليس مجرد مورد بشري ينبغي توزيعه وفق الخريطة المدرسية، وإنما هو فاعل أساسي في إنتاج الفعل التربوي. وكل إصلاح لا يستثمر في المدرس تكوينًا وتأهيلًا وتحفيزًا وإشراكًا، يظل إصلاحًا ناقصًا. كما أن المتعلم بدوره ليس مجرد رقم في الإحصاءات، ولا مجرد مستفيد من خدمة عمومية، بل هو الغاية الأساسية من العملية التعليمية.
ربما تكون الحاجة اليوم إلى الانتقال من إصلاح يُفرض على المدرسة من الخارج إلى إصلاح يتعلم من المدرسة نفسها.
فالمدرسون يعيشون يوميًا تفاصيل العملية التعليمية، والتلاميذ يعيشون نتائجها، والأسر تتابع آثارها، والإدارة تواجه إكراهاتها. وكل هؤلاء يمتلكون جزءًا من المعرفة التي يحتاجها الإصلاح.
لذلك، فإن التفكير في مستقبل المدرسة المغربية ينبغي أن يقوم على الاستماع إلى مختلف الفاعلين، وعلى تقييم التجارب، وتحليل النتائج، والاستفادة من البحث التربوي، بدل الاكتفاء بتغيير البرامج والشعارات.
ومن هنا، فإن كل دخول مدرسي ينبغي أن يحمل معه سؤالًا بسيطًا لكنه عميق: ماذا سنفعل هذا العام حتى تكون المدرسة أفضل مما كانت عليه في العام الماضي؟
إن تدبير الدخول المدرسي يظل ضرورة لا غنى عنها؛ فلا إصلاح دون موارد بشرية كافية، ولا تعليم جيد دون بنية تحتية مناسبة، ولا مدرسة منصفة دون شروط مادية ولوجيستيكية ملائمة.
لكن هذه الشروط ينبغي أن تكون وسيلة للإصلاح، لا أن تتحول إلى الإصلاح نفسه.
فحين ينتهي النقاش بانتهاء مشكلة الخصاص، أو بإغلاق ملف الاكتظاظ، أو باستكمال التجهيزات، نكون قد نجحنا في تدبير جزء من الواقع، لكننا لم نجب بعد عن السؤال الأكبر: أي مدرسة نريد؟
إن المدرسة المغربية اليوم تحتاج إلى أكثر من عملية تدبير الدخول المدرسي بشكل جيد، إنها تحتاج إلى مشروع تربوي واضح؛ إلى ثقافة مؤسساتية تقوم على التقييم والمراجعة؛ وإلى إصلاح يجعل جودة التعلمات في قلب اهتمامه.
خلاصة القول، الإصلاح الحقيقي سيتحقق حين تتحول بداية السنة الدراسية من مجرد استئناف للعمل إلى فرصة لمراجعة ما فعلناه، وفهم ما أخفقنا فيه، وتحديد ما نريد تغييره.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.