تصفية تركة الساعة الإضافية المشؤومة : عندما صحح أخنوش قرار البيجيدي انتصاراً للمغاربة

396

أزيلال 24 : الرباط 

 

 

لم تكن “الساعة الإضافية”، التي وسمت يوميات المغربيات والمغاربة لثماني سنوات عجاف، مجرد تحريك ميكانيكي لعقارب الساعة أو تعديل تقني يتكفل به نظام التشغيل في الهواتف الذكية؛ بل كانت زلزالا هادئا أربك الإيقاع البيولوجي والنفسي والاجتماعي للمجتمع المغربي. ولهذا السبب تحديدا، لم يُستقبل القرار النهائي لحكومة عزيز أخنوش بإلغاء التوقيت الصيفي والعودة الدائمة إلى التوقيت القانوني للمملكة (GMT) بوصفه إجراءً إداريا عابرا، بل باعتباره استجابة مستحقة ومصاحبة لانتصار مطلب شعبي عارم طال انتظاره، ومدخلا سياديا لإعادة الضبط الاجتماعي والأسري.

لقد عاش الشارع المغربي تجربة اعتماد التوقيت الصيفي الممتد على مدار السنة -والتي سُنَّت في عهد حكومة العدالة والتنمية سنة 2018- بوصفها عبئا كبيرا وتكلفة نفسية وجسدية باهظة تُسددها الأسر يوميا. إن استيقاظ ملايين الأطفال والأمهات والآباء في حلكة الفجر، وقطع خُطى التلاميذ نحو مدارسهم في العتمة الشاملة وسط المخاطر الأمنية وشح الإضاءة والهواء البارد، لم يكن يوماً مجرد “تفصيل تدبيري” يمكن التغاضي عنه. لقد أثبتت السنوات العملية أن أي مراهنة على عائد طاقي أو ملاءمة اقتصادية مع الشركاء الخارجيين -وهي المبررات التي طالما اختُبئ خلفها- كانت تقابلها كلفة إنسانية باهظة مست صحة الأطفال، وراحة الشغالين، واستقرار البيوت.

وفي هذا المشهد، يكتسي قرار الحسم الحكومي دلالات سياسية وتواصلية عميقة؛ فهو يشكل قطعا صريحا مع نمط قديم في إدارة الشأن العام كان يصر على إنكار الضرر المجتمعي والتغاضي عن النقد، والتثبت بخيارات افتقرت منذ لحظتها الأولى للحاضنة الشعبية. كما يعكس القرار، في جوهره، ممارسة سياسية تقوم على الإنصات المباشر والتفاعل المرن مع التغذية الراجعة من المواطنين. إن القرار العمومي الشجاع ليس هو الذي يتمترس خلف القرارات الموروثة، بل ذلك الذي يملك الجرأة السياسية والقدرة التدبيرية على مراجعة السياسات وتصحيح المسارات متى ثبت تعارضها مع جودة حياة المواطنين.

من جانب آخر، يُسقط هذا القرار ستائر المناورة السياسية التي حاول البعض استغلالها بذاكرة ثاقبة ومجتزأة. فالمفارقة الساطعة تكمن في أن الجهات التي حاولت مؤخرا المزايدة على الملف أو انتقاد آثاره هي ذاتها التي بادرت إلى ترسيمه قاعدة دائمة سنة 2018، مخلفةً وراءها معضلة مجتمعية استمرت لسنوات. إن التقييم التدبيري المنصف لأي تجربة حكومية لا يقف عند حدود الشعارات، بل يُقاس بمدى قدرتها على امتلاك الشجاعة لمعالجة الملفات الشائكة الموروثة وإلغاء الترتيبات المكلفة إنسانيا.

إن العودة إلى التوقيت الطبيعي للمملكة تتجاوز فكرة استعادة ستين دقيقة إلى عقارب الساعة؛ إنها استعادة حقيقية للتوازن الاجتماعي والنفسي الذي فقدته البيوت المغربية لسنوات طويلة. وهي رسالة واضحة العبارة مفادها أن النجاح الفعلي لأي سياسة عمومية يظل مرهوناً بمدى قربها من الواقع الميداني، وبجعل كرامة الإنسان وراحته اليومية الاستحقاق الأول والأخير في قائمة الأولويات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.